الوضع المظلم
الجونة 2026.. حين تتقدم صناعة النجومية على صناعة السينما

الجونة 2026.. حين تتقدم صناعة النجومية على صناعة السينما

شارك
Latest news on WhatsApp أجدد الأخبار على واتساب

 

اختار مهرجان الجونة السينمائي فيلماً فرنسياً يحكي عن ممثلة أمضت حياتها تحلم بالخروج من الظل إلى دائرة الضوء، ثم افتتح دورته التاسعة من دون عرض الفيلم في ليلة الافتتاح. مفارقة يصعب تجاهلها: فيلم «كل شيء عن كورين»، الذي يسخر من هوس الشهرة داخل صناعة السينما، وجد نفسه مؤجلاً إلى اليوم التالي، بينما احتفظ الاحتفال بالنجوم والسجادة الحمراء بمكانه في المشهد.

 

لم يكن ذلك مجرد قرار تنظيمي، بل بدا كاشفاً عن التناقض الذي يحكم صورة الجونة منذ سنوات: مهرجان يريد ترسيخ مكانته مؤسسةً سينمائية دولية، لكنه لا يزال يعتمد في حضوره الجماهيري على عناصر الاستعراض والنجومية أكثر مما يعتمد على القيمة الفنية للأعمال التي يقدمها.

 

والإنصاف يقتضي الاعتراف بأن هذه المفارقة لا تعني غياب السينما الجادة عن الجونة. فالدورة التاسعة، التي أُقيمت من 15 إلى 23 أكتوبر 2026، شهدت اختيارات فنية تستحق الاهتمام، وحضوراً عربياً متنوعاً، وبرامج لدعم الإنتاج السينمائي. غير أن المشكلة تكمن في العلاقة بين هذه المكونات: كيف يجتمع مشروع سينمائي طموح مع صورة إعلامية تبدو أحياناً أقرب إلى مناسبة اجتماعية فاخرة منها إلى حدث ثقافي مؤثر؟

 

قرار فصل فيلم الافتتاح عن الحفل يختصر جانباً من الإجابة. فقد بررت الإدارة الخطوة برغبتها في حماية الفيلم من انصراف الضيوف بعد انتهاء المراسم، وهي مشكلة واقعية في المناسبات التي يجتمع فيها الفن بالنجومية والعلاقات العامة. لكن علاج المشكلة جاء بالتكيف معها، لا بتغييرها. فبدلاً من إعادة الاعتبار لمشاهدة الفيلم داخل المناسبة الأهم، جرى الفصل بين الاحتفال والسينما، وكأن لكل منهما جمهوره الخاص، وفق توضيحات المدير التنفيذي عمرو منسي لموقع القاهرة 24.

 

والأشد دلالة أن هذه الدورة شهدت الاستغناء عن الكلمات الرسمية التي اعتاد الحضور سماعها في الافتتاح. وقد أقر منسي بأن تجربة استلهام هذا الأسلوب من مهرجان كان لم تكن موفقة، بحسب حواره مع صحيفة الشروق في 24 أكتوبر. وليست قيمة حفل الافتتاح في طول الكلمات، وإنما في قدرته على إعلان الشخصية الفنية للمهرجان. ومن هذه الزاوية، لم يستثمر الجونة واحدة من أهم لحظاته لإبراز الرؤية السينمائية التي يريد الدفاع عنها.

 

لكن الأزمة أوسع من حفل افتتاح لم يوفق في ترتيب أولوياته. إنها أزمة هوية لمهرجان يقوم على ثلاثة أبعاد مختلفة: مدينة سياحية فاخرة تحتاج إلى الظهور والجاذبية، وحدث سينمائي يبحث عن الاعتراف الفني، ومنصة إنتاج تحاول معالجة بعض اختلالات الصناعة العربية. وهذه الأهداف ليست متعارضة بالضرورة؛ فالمهرجانات الكبرى تعيش على التفاعل بين الثقافة والاقتصاد والإعلام. المشكلة تبدأ حين يصبح النجاح في أحدها بديلاً عن النجاح في الآخرين.

 

والواقع أن البرنامج الفني للجونة هذا العام يستحق قراءة أكثر جدية من اختزاله في أسماء النجوم أو قائمة الجوائز. فقد ضمت اختياراته أفلاماً تتناول الخوف بأشكاله المختلفة: الخوف من العنف والذاكرة في «خروج آمن»، ومن الاختلاف السياسي في الفيلم الإيراني «قليل من الضوء»، ومن التنمر وآثاره في «بعد ثلاثة أسابيع»، ومن أحكام المجتمع في الفيلم اللبناني «المتمردون فقط ينتصرون». ورغم اختلاف البلدان واللغات والأساليب، تظهر هنا ملامح سينما منشغلة بالفرد الذي يواجه ضغوطاً سياسية أو اجتماعية أو نفسية تتجاوز قدرته على السيطرة.

 

وليست هذه القراءة افتراضاً لتوجه فني لم تعلنه الإدارة؛ فقد تحدث المدير الفني أندرو محسن عن حضور الخوف بوصفه خيطاً مشتركاً بين عدد من الأفلام المختارة، موضحاً في حوار أجرته معه الصحفية أولا سالفا لموقع Cineuropa في 14 أكتوبر أن هذا التشابه ظهر بعد اكتمال الاختيارات، ولم يكن موضوعاً مفروضاً مسبقاً على البرنامج.

 

وهنا يظهر التحدي الفني الحقيقي للجونة: امتلاك مجموعة جيدة من الأفلام ليس مرادفاً لامتلاك شخصية سينمائية متماسكة. فالمهرجان الكبير لا يكتفي بعرض ما هو جدير بالمشاهدة، بل يصنع من اختياراته حواراً نقدياً يتيح للجمهور فهم الاتجاهات الجديدة في السينما، واكتشاف العلاقات والاختلافات بين الأعمال، والتعرف على أصوات لا تمنحها السوق التجارية فرصة عادلة.

 

في هذا السياق، يكتسب فوز «خروج آمن» للمخرج محمد حماد بالنجمة الذهبية لأفضل فيلم روائي طويل أهمية تتجاوز الاعتزاز بفيلم مصري حصد الجائزة الكبرى على أرض مصرية. فالعمل، الذي عُرض عالمياً للمرة الأولى في مهرجان برلين، يتناول شاباً قبطياً يعمل حارس أمن، ويعيش تحت وطأة صدمة قديمة خلّفها مقتل والده على يد متطرفين. وقد تناول الناقد تيم غريرسون في مراجعته المنشورة بمجلة Screen International ميل الفيلم إلى الأداء المتحفظ والسرد المقتصد في تصوير العزلة والجراح النفسية.

 

وتكمن أهمية الجائزة في أنها تمنح الاعتراف لسينما تراهن على التجربة الإنسانية وبناء الشخصية أكثر من اعتمادها على الوصفات التجارية السريعة. لكن هذا الاعتراف يظل ناقصاً إذا لم يجد الفيلم طريقه إلى المشاهد المصري. والمفارقة قاسية: صناعة سينمائية تستطيع الاحتفاء بفيلم مستقل ومنحه أرفع جوائزها في مهرجان دولي، بينما يبقى وصول هذا النوع من الأفلام إلى دور العرض تحدياً قائماً.

 

وقد كشفت المنتجة خلود سعد عن جوهر المشكلة خلال المؤتمر الصحفي للفيلم في الجونة يوم 21 أكتوبر، موضحة أن الإنتاج المستقل يحتاج إلى فرصة حقيقية في دور العرض قبل الحكم على قدرته الجماهيرية، وفق تغطية موقع مصراوي للمؤتمر. وهي ملاحظة تتجاوز مصير فيلم واحد إلى طبيعة السوق السينمائية المصرية، حيث قد يصبح غياب النجوم التجاريين عائقاً أمام الوصول إلى الجمهور، حتى قبل اختبار استجابته للعمل.

 

بل إن المدير الفني للمهرجان كشف في حواره مع Cineuropa مشكلة أعمق: بعض المنتجين ما زالوا يترددون في عرض أفلامهم بالمهرجانات خشية أن يؤثر ذلك سلباً في فرصها التجارية. وهذا يعني أن الفجوة لا تقع فقط بين المهرجان والجمهور، وإنما أيضاً بين صورتين للسينما داخل الصناعة نفسها؛ سينما تبحث عن الاعتراف النقدي، وأخرى تخشى أن يصبح هذا الاعتراف علامة على محدودية جمهورها.

 

تلك قضية تستحق أن تكون في صدارة نقاشات الجونة. فالمهرجان الذي يطمح إلى التأثير في السينما المصرية لا يكفيه الاحتفاء بالمخرج المستقل، بل يحتاج إلى المساهمة في تغيير النظرة التي تجعل الفيلم الفني نقيضاً للفيلم القادر على جذب الجمهور. ودوره لا ينتهي عند التكريم، وإنما يمتد إلى بناء صلات أكثر فاعلية بين المخرجين والمنتجين والموزعين وقاعات العرض.

 

أما الحضور الفلسطيني في الدورة التاسعة، فيقدم مثالاً آخر على أهمية تجاوز القراءة الاحتفالية للجوائز. فقد فاز «المواطن أسامة» للمخرج أحمد حسونة بجائزتي أفضل فيلم وثائقي طويل وأفضل فيلم وثائقي عربي. والفيلم، الذي شارك أيضاً في مهرجان فينيسيا، يتابع صحفياً فلسطينياً يوثق ما يحدث في غزة، بينما يحاول في الوقت نفسه حماية زوجته وطفله حديث الولادة.

 

غير أن القيمة الأعمق لهذا العمل لا تكمن في توثيق الحرب وحده، بل في المعضلة الإنسانية والسينمائية التي يطرحها: صحفي يصور مأساة يعيشها بنفسه، ويحاول ممارسة الأبوة وسط الخطر، بينما تصبح الكاميرا شاهداً على الآخرين وعلى حياته الشخصية في آن واحد. وهذه الزاوية الإنسانية تظهر بوضوح في تقديم الفيلم الرسمي بمهرجان فينيسيا وتصريح مخرجه، اللذين يكشفان اهتمام العمل بالإنسان خلف الصورة الإخبارية.

 

إنها مادة تتجاوز وظيفة الشهادة الصحفية إلى سؤال عن العلاقة بين الكاميرا والحياة، وبين واجب التوثيق والخوف الشخصي. ولذلك فإن وضع الفيلم في إطار المأساة الفلسطينية وحدها يضيّق من أفق قراءته الفنية، مثلما أن الاكتفاء بتعداد جوائزه يحجب النقاش الأهم بشأن لغته الوثائقية وحدودها الأخلاقية.

 

وعلى مستوى الصناعة، تمثل «سيني جونة» أحد الأسباب الفعلية التي تمنح المهرجان وزناً يتجاوز صور الاحتفالات. فقد شهدت الدورة تقديم 40 جائزة مالية وخدمية بقيمة إجمالية معلنة تتجاوز 350 ألف دولار، استفاد منها 16 مشروعاً سينمائياً من أصل 19 مشروعاً متنافساً. وتوزع الدعم بين منح نقدية وخدمات فنية ومساعدات للتطوير وما بعد الإنتاج، إلى جانب أكثر من 140 لقاءً مهنياً للمشروعات المشاركة، وفق البيان الرسمي للمهرجان الصادر في 22 أكتوبر.

 

هذه الأرقام تعكس نشاطاً مؤسسياً ملموساً، لكنها لا تصلح وحدها مقياساً نهائياً للنجاح. فهناك فارق بين القيمة المعلنة لخدمة إنتاجية وبين التمويل النقدي المتاح للمخرج، وبين ترتيب لقاء مع شركة توزيع وإبرام اتفاق يضمن وصول الفيلم إلى الجمهور. وإذا أراد الجونة ترسيخ مكانته منصةً لصناعة السينما، فإن الأجدى هو تقديم حصيلة دورية واضحة لمشروعاته السابقة: ما الذي اكتمل؟ وما الذي عُرض؟ وما الذي وصل إلى الأسواق المحلية والدولية؟

 

وثمة سؤال لا يقل أهمية يتعلق بالجمهور نفسه. فالجونة، بطبيعتها السياحية وموقعها الجغرافي، ليست مكاناً يسهل الوصول إليه بالنسبة إلى قطاعات واسعة من محبي السينما المصريين. وقد أتاح التعاون مع سينما زاوية في القاهرة عرض سبعة أفلام مختارة من دورة هذا العام خلال الفترة من 18 إلى 24 أكتوبر، وهي مبادرة مهمة، لكنها تظل أضيق من طموح مهرجان يريد أن يكون قوة مؤثرة في الثقافة السينمائية المصرية. فالنفوذ الثقافي لا يصنعه فقط عدد من يسافرون إلى المهرجان، بل عدد الذين تستطيع أفلامه الوصول إليهم بعد انتهاء أيامه التسعة.

 

ومن هنا تصبح مسألة السجادة الحمراء أكثر وضوحاً. ليست المشكلة في فساتين الفنانات، ولا في اهتمام الإعلام بالموضة، ولا في استضافة المشاهير. فهذه عناصر مشروعة في اقتصاد المهرجانات، كما أن تحويل أجساد النساء وملابسهن إلى ساحة للمحاكمة الأخلاقية لا يخدم السينما ولا النقد. المشكلة أن المهرجان لم ينجح بالقدر نفسه في تحويل حضوره الإعلامي الواسع إلى اهتمام عام بأفلامه وصناعها. فالنجومية هنا قادرة على جذب الأنظار، لكنها لم تتحول بعد إلى جسر فعال يقود جمهوراً واسعاً نحو السينما التي يحتفي بها الحدث.

 

وعندما يطمح مهرجان الجونة إلى الاقتراب من مكانة «كان»، فالمقارنة لا ينبغي أن تبدأ من أناقة الضيوف أو ازدحام السجادة الحمراء. المكانة السينمائية تُبنى عبر تراكم الاختيارات الفنية، وسمعة الاكتشاف، وتأثير الجوائز في مسار الأفلام، وقوة السوق المهنية، واستقلال القرار الفني، والقدرة على خلق جمهور يثق في هوية المهرجان. وهذه عناصر تحتاج إلى سنوات من العمل المؤسسي، لا إلى موسم ناجح من التغطية الإعلامية.

 

بعد تسع دورات، لم يعد السؤال الجاد هو ما إذا كان الجونة قد نجح في إقامة مهرجان جذاب؛ فقد أثبت قدرته على ذلك. السؤال الأصعب هو ما إذا كان قد تجاوز مرحلة صناعة الحدث إلى صناعة التأثير السينمائي المستدام.

 

فالدورة التاسعة لم تكشف عن مهرجان بلا قيمة فنية، وإنما عن مهرجان تتقدم صورته الاحتفالية أحياناً على الإنجاز الذي يستحق أن يُعرف به. وهذه ليست مشكلة علاقات عامة يمكن حلها بحملة دعائية أكثر نشاطاً، بل خلل في ترتيب العلاقة بين الفن والنجومية والجمهور.

 

الجونة لا يحتاج إلى نجوم أقل، بل إلى سينما أكثر حضوراً في وعي الجمهور. ولا يحتاج إلى سجادة حمراء أقل بريقاً، بل إلى أن يقود هذا البريق إلى الأفلام، لا أن يصبح بديلاً عنها.

 

وبين أن يكون المهرجان مناسبة يتحدث الناس عمن حضرها، وأن يصبح مؤسسة يتذكرون الأفلام التي اكتشفوها من خلالها، تتحدد المسافة التي لم يقطعها الجونة بعد.