من يرعى الأم حين تكبر؟ دعم المسنين في كندا
- بقلم Tahani Elghazaly
- نشر في
مع اقتراب عيد الأم، تكثر الهدايا والورود والرسائل العاطفية. لكن خلف هذه الصورة الدافئة، يطل سؤال أكثر عمقًا وإلحاحًا: من يرعى الأم حين تكبر؟ ومن يساندها عندما تصبح الوحدة، أو المرض، أو ضعف الدخل، أو الحاجة إلى رعاية منزلية جزءًا من يومها العادي؟
في كندا، لا يبدو ملف كبار السن بعيدًا عن النقاش العام. فالحكومة الفيدرالية أعلنت في 23 أبريل 2026 تمويلًا يتجاوز 54 مليون دولار لدعم أكثر من 2600 مشروع مجتمعي يخدم كبار السن عبر برنامج New Horizons for Seniors Program، وهو برنامج يهدف إلى إبقاء المسنين أكثر اندماجًا في مجتمعاتهم، وتشجيع التطوع، والمشاركة الاجتماعية، والتوعية بإساءة معاملة كبار السن، بما في ذلك الإساءة المالية.
هذا التمويل مهم، خصوصًا أنه يذهب إلى مبادرات قريبة من الناس، لا إلى عناوين كبيرة بعيدة عن الحياة اليومية. فالبرنامج يدعم مشروعات يقودها كبار السن أو يشاركون في تصميمها وتنفيذها، وكانت المنظمات المؤهلة قادرة على الحصول على ما يصل إلى 25 ألف دولار للمشروع الواحد في دورة 2025-2026.
لكن أهمية هذه الخطوة لا تلغي السؤال الأصعب: هل تكفي البرامج المجتمعية الصغيرة وحدها لحماية كبار السن من ضغوط الغلاء والعزلة وتراجع القدرة الجسدية؟ وهل تصل هذه البرامج فعلًا إلى الأمهات الكبيرات في السن، خصوصًا المهاجرات والنساء اللواتي لا يتقن الإنجليزية أو الفرنسية، أو يعشن بعيدًا عن الأبناء، أو لا يعرفن من أين يبدأن طلب المساعدة؟
الأرقام الرسمية نفسها تكشف حجم الملف. فالحكومة تقول إن كبار السن قد يمثلون نحو ربع سكان كندا بحلول عام 2059، وقد يصل عددهم إلى 11 مليون شخص خلال 15 عامًا. كما تشير إلى أن أكثر من 900 ألف من كبار السن يشاركون سنويًا في مشروعات مجتمعية ممولة عبر برنامج New Horizons for Seniors Program، بناءً على أحدث بيانات متاحة للعامين السابقين.
على الجانب المالي، زادت مدفوعات معاش الشيخوخة Old Age Security بنسبة 0.1% فقط لربع أبريل إلى يونيو 2026، بحسب مراجعة مرتبطة بمؤشر أسعار المستهلك. وتبلغ الدفعة الشهرية القصوى في هذه الفترة 743.05 دولارًا لمن تتراوح أعمارهم بين 65 و74 عامًا، و817.36 دولارًا لمن بلغوا 75 عامًا فأكثر.
هذه الزيادة، رغم أنها جزء من نظام مراجعة دوري يحمي المدفوعات من الانخفاض عند تراجع تكلفة المعيشة، تفتح بابًا مهمًا للنقاش. فالأم الكبيرة في السن لا تواجه بندًا واحدًا في الميزانية. الإيجار أو تكاليف السكن، الأدوية، الطعام، النقل، الأسنان، النظارات، الأجهزة المساعدة، وفواتير الخدمات، كلها تفاصيل صغيرة حين ننظر إليها منفردة، لكنها تتحول إلى عبء يومي عندما تجتمع على دخل محدود.
ومن بين الملفات التي تكشف الفجوة بين وجود البرنامج ومعرفة الناس به، تأتي رعاية الأسنان. ففي أونتاريو، يوفر Ontario Seniors Dental Care Program خدمات أسنان روتينية مجانية لكبار السن ذوي الدخل المنخفض ممن يبلغون 65 عامًا أو أكثر، ويشمل ذلك الفحوص، تنظيف الأسنان، علاج التسوس، الأشعة، خلع الأسنان، وعلاج الألم والالتهابات، مع شروط دخل محددة.
لكن المشكلة في كثير من الحالات ليست غياب البرنامج فقط، بل غياب المعلومة. كم أم مسنة تعرف أنها قد تكون مؤهلة؟ كم أسرة مهاجرة تعرف الفرق بين البرنامج المحلي في أونتاريو والخطة الفيدرالية Canadian Dental Care Plan؟ وكم من كبار السن يؤجلون زيارة طبيب الأسنان لأنهم يعتقدون أن التكلفة فوق قدرتهم، بينما قد تكون هناك مسارات دعم لا يعرفونها؟
هنا يصبح عيد الأم مناسبة مختلفة. ليس فقط يومًا لشراء هدية، بل لحظة لمراجعة مسؤوليتنا تجاه الأمهات الكبيرات: هل نعرف دخلهن الحقيقي؟ هل نعرف مواعيد أدويتهن؟ هل راجعنا معهن أهلية برامج الدعم؟ هل ساعدناهن في ملف الضرائب، أو طلبات الأسنان، أو البحث عن نشاط اجتماعي قريب من البيت، أو وسيلة نقل آمنة إلى المواعيد الطبية؟
في الثقافة العربية، كثيرًا ما تتحمل الأم دور الرعاية طوال حياتها. ترعى الأطفال، وتدير البيت، وتساند الزوج، وتخدم العائلة، ثم تصل إلى عمر تحتاج فيه إلى من يسأل عنها بطريقة عملية لا عاطفية فقط. السؤال ليس: هل نحب أمهاتنا؟ السؤال: هل نعرف كيف نترجم هذا الحب إلى حماية ومساندة ومعرفة بالحقوق؟
تمويل المشروعات المجتمعية خطوة مهمة، وبرامج الأسنان والدخل والرعاية الاجتماعية يمكن أن تصنع فرقًا حقيقيًا. لكن الفجوة تبقى في الوصول، واللغة، والوعي، والقدرة على ملء الطلبات، والخوف من التعامل مع المؤسسات، خصوصًا لدى بعض المسنات المهاجرات.
لذلك، ربما يكون أجمل ما نقدمه للأم في عيدها هذا العام ليس وردة فقط، بل موعدًا نرتبه لها، برنامجًا نتحقق من أهليتها له، زيارة لا تنتهي بسرعة، أو جلسة نفهم فيها ما تحتاجه فعلًا. فالأم حين تكبر لا تحتاج إلى الاحتفال بها يومًا واحدًا، بل إلى شبكة أمان تراها، وتسمعها، وتساعدها قبل أن تطلب.
قد يعجبك أيضًا
Authors
-
Tahani Elghazaly5036 المقالات
منشورات شائعة
-
ابتداءً من غدٍ.. دورة مجا...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 20, 2026
-
Shopify تصبح أول شريك للت...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 20, 2026
-
مصطفى خاطر يواصل العلاج ف...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 20, 2026
-
كندا وفرنسا توسعان شراكته...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 20, 2026
النشرة البريدية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على أحدث التحديثات!