الوضع المظلم
نجاة غنّو: مغربية كندية جعلت التعليم جسرا لخدمة المجتمع

نجاة غنّو: مغربية كندية جعلت التعليم جسرا لخدمة المجتمع

شارك
Latest news on WhatsApp أجدد الأخبار على واتساب

 

في قصص الهجرة الناجحة، لا تكفي الشهادات ولا المناصب وحدها لصناعة الأثر. هناك أشخاص يمرون في المؤسسات، وهناك أشخاص يتركون فيها شيئا من روحهم. نجاة غنّو تنتمي إلى النوع الثاني. امرأة مغربية كندية حملت معها إلى كندا ذاكرة بلدها الأول، لكنها لم تعش الهجرة كمسافة بين وطنين، بل حولتها إلى جسر واسع بين التعليم، المجتمع، والفرنكوفونية.

 

على امتداد مسيرتها، لم تظهر نجاة غنّو كاسم عابر في العمل العام، بل كحضور يتكرر في لحظات مختلفة من حياة الجالية: في المدارس، في المبادرات المدنية، في قاعات التكريم، وفي أوقات الأزمات التي تحتاج إلى من يجمع الناس حول معنى التضامن. لذلك لا تبدو قصتها مجرد سيرة مهنية، بل حكاية امرأة آمنت بأن التعليم ليس وظيفة فقط، بل طريقة لبناء الإنسان.

 

 

تقدمها جامعة أوتاوا بوصفها قائدة في مجال التعليم ومتقاعدة حديثا، معروفة بالتزامها تجاه المجتمعات الفرنكوفونية ودعم قيادة النساء. وتشير الجامعة إلى أنها من خريجات كلية التربية، وأنها شغلت مناصب تربوية متعددة، منها مسؤولة تعليم في وزارة التعليم في أونتاريو، ونائبة مديرة مدرسة، ومستشارة تربوية، ومعلمة في مجلس المدارس العامة في شرق أونتاريو. هذه المحطات تمنح مسيرتها عمقا مهنيا واضحا، لكنها لا تفسر وحدها حجم حضورها المجتمعي.

 

ما يميز نجاة غنّو أن خبرتها لم تبق داخل حدود المنصب. لقد خرجت من الفصول الدراسية إلى فضاء أوسع، حيث يصبح التعليم أداة للاندماج، واللغة مساحة للهوية، والعمل المدني طريقا لحماية الروابط بين الناس. في بلد متعدد مثل كندا، اختارت أن تكون جزءا من ذلك الجهد الهادئ الذي لا تصنعه الخطب الكبيرة، بل تصنعه المبادرات اليومية، واللقاءات، والدعم، والقدرة على فتح الأبواب أمام الآخرين.

 

حضورها في أوتاوا وغاتينو يرتبط أيضا بخدمة الجالية المغربية، ليس فقط من باب الانتماء، بل من باب المسؤولية. فقد ورد اسمها في تغطيات فرنكوفونية كرئيسة للجمعية الكندية للمغاربة في أوتاوا وغاتينو، خصوصا أثناء تحرك الجالية لمساندة ضحايا زلزال المغرب عام 2023. في تلك اللحظة، لم يكن الدور رمزيا، بل كان عملا منظما لجمع الدعم والتعبير عن وجع جماعي عاشه المغاربة في كندا وهم يتابعون أخبار العائلات والمناطق المنكوبة في بلدهم الأصلي.

 

في هذه النقطة تحديدا يظهر الجانب الإنساني في شخصيتها العامة. فالقائد المجتمعي الحقيقي لا يظهر فقط في الاحتفالات، بل يظهر حين يحتاج الناس إلى صوت يهدئ، ويد تنظم، ومساحة تجمعهم حول فعل مفيد. نجاة غنّو قدمت نموذجا لهذا النوع من الحضور: حضور لا يكتفي بالتعاطف، بل يحاول تحويل الألم إلى مبادرة، والحنين إلى مسؤولية، والانتماء إلى عمل ملموس.

 

وإلى جانب الجالية المغربية، برز اسمها أيضا في العمل الفرنكوفوني والأفريقي الكندي. فموقع الجمعية الكندية للنهوض بالتراث الإفريقي يضعها ضمن قيادة الجمعية بصفتها رئيسة لمجلس إدارتها. هذا الاتساع في دوائر العمل يعكس شخصية لا ترى الهوية كجدار مغلق، بل كمساحة لقاء، حيث يمكن للانتماء المغربي، والفرنكوفوني، والأفريقي، والكندي أن يلتقوا في مشروع واحد: خدمة المجتمع.

 

وقد حظيت هذه المسيرة بتقدير علني في أكثر من مناسبة. ففي عام 2023، حصلت نجاة غنّو على جائزة Champlain Fondateur de la Francophonie، وهي جائزة تمنح لشخصية فرنكوفونية أو محبة للفرنكوفونية تميزت بدعمها المستمر لقضية اللغة والثقافة الفرنسيتين. كما ورد اسمها ضمن تكريمات Leading Women, Leading Girls في أورليانز عام 2024، وهي مبادرة تحتفي بنساء وفتيات يتركن أثرا في المجتمع المحلي.

 

هذه الجوائز لا تمنح القصة قيمتها وحدها، لكنها تساعد على قراءة مسارها. فهي تؤكد أن ما قدمته لم يكن عملا فرديا صامتا فقط، بل حضورا رآه الآخرون واستحق التقدير. والأهم أن هذا التقدير جاء من مساحات مختلفة: التعليم، الفرنكوفونية، العمل النسائي، والعمل المجتمعي. وهذا التنوع يجعل قصة نجاة غنّو أكثر من قصة نجاح شخصية؛ إنها مثال على كيف يمكن للمهاجر أن يصبح جزءا فاعلا من نسيج بلده الجديد من دون أن يفقد صلته بجذوره.

 

في الصور المتداولة لها، يظهر هذا المعنى بوضوح: مرة في لباس مغربي تقليدي يعلن الاعتزاز بالهوية، ومرة في فضاء رسمي كندي، ومرة وسط نساء وشابات يرفعن العلم المغربي، ومرة وهي تحمل شهادة تكريم. هذه ليست تفاصيل شكلية فقط، بل مفاتيح بصرية لقصة امرأة عاشت بين ثقافات متعددة، ولم تختر بينها، بل جعلت منها مساحة أوسع للحضور والعمل.

 

قصة نجاة غنّو مهمة لتواصل نيوز لأنها تقدم للقراء نموذجا مختلفا عن النجاح. ليست قصة ثروة أو شهرة سريعة، بل قصة أثر بطيء ومتراكم. قصة امرأة عملت في التعليم، ثم وسعت معنى التعليم ليصبح خدمة، وتمكينا، وجسرا بين الأجيال والجاليات. وفي زمن يحتاج فيه المهاجرون إلى نماذج قريبة منهم، تبدو سيرتها رسالة واضحة: النجاح في كندا لا يعني فقط أن تجد مكانك، بل أن تساعد الآخرين على العثور على مكانهم أيضا.

 

نجاة غنّو ليست مجرد قائدة تربوية سابقة أو ناشطة مجتمعية حاضرة. هي وجه من وجوه كندا التي تبنى يوميا بأيدي مهاجرين ومهاجرات حملوا معهم خبراتهم وثقافاتهم، ثم اختاروا أن يردوا الجميل بالعمل، والالتزام، وخدمة الناس. ومن المغرب إلى أوتاوا وغاتينو، صنعت غنّو مسارا يليق بأن يروى، لأنه يذكرنا بأن الأثر الحقيقي لا يقاس بعدد المناصب، بل بعدد الجسور التي يتركها الإنسان خلفه.