نهى يونس.. حين خرجت العمارة من الخرائط إلى المجوهرات والميكروفون
- بقلم Tahani Elghazaly
- نشر في
مهندسة معمارية حملت معها عقل المصمم من الإسكندرية إلى الإمارات ثم كندا، لكنها رفضت أن تختصر نفسها في مهنة واحدة. بين العمارة وتصميم المجوهرات ومشروع «كاريزما» والإذاعة، صنعت نهى يونس مسارًا لا يقوم على هدم ما سبق، بل على إضافة مساحة جديدة كلما اكتشفت شغفًا آخر.
هناك سؤال يبدو بسيطًا، لكنه يصبح أكثر تعقيدًا حين تتعدد تجارب الإنسان: ماذا تعملين؟
بالنسبة إلى نهى يونس، الإجابة لا تستقر عند مهنة واحدة.
فهي مهندسة معمارية، ومصممة مجوهرات أسست مشروع «كاريزما – Karezma»، وصاحبة تجربة إعلامية امتدت عبر أكثر من بلد. ثلاثة عوالم تبدو متباعدة، لكنها تلتقي عند نقطة واحدة: تحويل الفكرة إلى شيء يمكن للآخرين أن يروه أو يلمسوه أو يسمعوه.
وهنا تكمن حكايتها ضمن «مهاجرات خارج الصندوق»؛ فهي لم تترك مهنة بحثًا عن أخرى، وإنما رفضت أن يكون اختيارها الأول هو اختيارها الأخير.
من العمارة بدأت الحكاية
درست نهى الهندسة المعمارية في جامعة الإسكندرية، وكان اختيارًا طبيعيًا لفتاة أحبت الرسم والتصميم والتفاصيل منذ البداية.
لم تكن ترى العمارة مجرد مبانٍ ورسومات هندسية، بل مساحة تجمع بين الفن والدقة والمسؤولية، وقدرة على تحويل فكرة على الورق إلى مكان يؤثر في حياة الناس.
بعد التخرج بدأت العمل مهندسة معمارية، ثم انتقلت إلى الإمارات، حيث امتدت تجربتها لسنوات وتدرجت في المسؤوليات من التصميم إلى إدارة فرق ومشروعات هندسية، وشاركت ضمن عملها في تصميم وتطوير مدارس وحضانات في وزارة التربية والتعليم في دبي.
من تلك السنوات حملت معها الدقة والانضباط وإدارة الوقت والتفاصيل.
لكن الفن داخلها كان يبحث عن مساحة أخرى.
2020.. حين تغير شكل التصميم
جاء عام 2020 وجائحة كورونا، فتغير إيقاع الحياة والعمل، ووجدت نهى نفسها أمام سؤال مؤجل:
ما الشيء الذي أحب أن أفعله فعلًا؟
كانت الإجابة هي التصميم أيضًا، لكن هذه المرة لم يكن هناك مبنى ينتظر على الورق.
كانت هناك قطعة مجوهرات.
بدأت نهى دراسة تصميم الحلي والأعمال اليدوية، وتعرفت بصورة أعمق إلى الخامات وتقنيات صناعة المجوهرات والأحجار الطبيعية والكريمة، ثم راحت ترسم أول تصميماتها وتتابع تنفيذها من خلال ورشة صغيرة في الإسكندرية.
في البداية كانت القطع محدودة وتصل إلى الأصدقاء والمعارف، لكن التشجيع دفع الفكرة خطوة أخرى إلى الأمام.
وهكذا وُلدت "كاريزما".
اختارت الاسم لأنه بالنسبة إليها لا يعني الشكل وحده، بل الشخصية والحضور والاختلاف؛ وهي الصفات نفسها التي أرادت أن تحملها تصميماتها.
ماذا بقي من المهندسة داخل مصممة المجوهرات؟
الكثير.
فالانتقال من العمارة إلى المجوهرات لم يكن قطيعة مع الماضي. بقيت الدقة، وفهم النسب، والتخطيط، والقدرة على تصور الشكل قبل تنفيذه.
تعتمد نهى في جانب من أعمالها على النحاس، مع طلاءات بالفضة أو الذهب عيار 24 قيراط، وتستخدم الأحجار الطبيعية والكريمة في تصميماتها.
لكن ما يهمها أكثر من قيمة الخامة هو ألا تكون القطعة مجرد نسخة أخرى مما هو موجود.
اهتمت بالأحجار الطبيعية، ودرست تاريخها واستخدامها ورمزيتها في ثقافات مختلفة، وبدأت تجمع أحجارًا مميزة من أماكن متعددة، ليصبح الحجر أحيانًا نقطة البداية لتصميم جديد.
ففكرة «كاريزما» بالنسبة إليها تقوم على أن تكون للقطعة شخصية، تمامًا كما أن لكل امرأة شخصيتها الخاصة.
المجوهرات أولًا.. ثم تجربة فنية مشتركة في الحقائب
ورغم أن تصميم المجوهرات هو المجال الأساسي في مشروع «كاريزما»، لم يتوقف فضول نهى الإبداعي عنده.
امتدت التجربة إلى مجموعة من الحقائب المصنوعة من الجلد الطبيعي، لكن هذا الجانب من المشروع يحمل أيضًا قصة تعاون فني تستحق أن تُذكر.
فالحقائب كانت عملًا مشتركًا بين نهى يونس والفنانة شيرين اللابودي، التي تتولى رسم التصميمات على الحقائب يدويًا، لتتحول قطعة الجلد إلى مساحة للفن تحمل وجوهًا وألوانًا ورموزًا وتفاصيل مختلفة.
وبذلك لم تكن التجربة مجرد إضافة منتج جديد إلى «كاريزما»، وإنما لقاء بين تصميم المشروع من جهة، وريشة فنانة تتولى تنفيذ الرسم اليدوي من جهة أخرى.
بدأ هذا التعاون في دبي قبل سنوات، وتشارك نهى الآن المجموعة الأولى من هذه الأعمال في كندا.
وتُنفذ بعض التصميمات كقطع منفردة لا تتكرر، وهو ما يمنح العمل اليدوي طبيعته الخاصة؛ إذ لا تكون القيمة في إنتاج نسخ متطابقة بقدر ما تكون في الاحتفاظ بأثر الفكرة واليد التي نفذتها.
وفي هذه المساحة تحديدًا، يصبح من المهم التفريق بين الأدوار: نهى تقف وراء مشروع «كاريزما» واتجاهه الإبداعي، بينما تحمل الرسومات اليدوية على الحقائب توقيع الفنانة شيرين اللابودي.
ثم جاء الميكروفون
لكن التصميم لم يكن الشغف الوحيد.
لدى نهى علاقة قديمة بالكلمة والكتابة والتواصل مع الناس، وهو ما قادها إلى تجربة إذاعية بدأت في مصر عبر «راديو حكاياتنا» أونلاين، حيث قدمت برنامجًا حمل اسم «كاريزما».
تعلمت إعداد الحلقات وترتيب الأفكار والحديث إلى المستمع ببساطة، ثم استمرت علاقتها بالإعلام في الإمارات عبر مشاركات إذاعية تحدثت خلالها عن المجوهرات والأحجار والخامات وفنون التصميم.
ومع انتقالها إلى كندا عادت إلى الميكروفون، فشاركت مع «هوى راديو فانكوفر»، وكانت لها تجارب إعلامية أخرى من بينها Rogers TV وChain Radio.
وهكذا أصبح التصميم الذي يبدأ بالقلم والفكرة موضوعًا تستطيع أيضًا أن تحكيه بالصوت.
كندا.. بداية لا تلغي ما قبلها
الهجرة إلى كندا وضعت نهى أمام ما يواجهه كثير من المهاجرين: أن سنوات الخبرة والمكانة المهنية في بلد لا تعني بالضرورة أن الحياة ستستأنف من النقطة نفسها في بلد جديد.
هناك سوق مختلف، ومجتمع جديد، وعلاقات يجب أن تُبنى من البداية.
لكنها قررت ألا تختار جزءًا واحدًا من حياتها وتترك البقية خلفها.
جاءت بخبرتها الهندسية، وبـ«كاريزما»، وبحبها للإعلام، وبدأت تعيد ترتيبها داخل واقع جديد.
وفي كندا واصلت تطوير تصميماتها وتقديم مجوهراتها إلى الجالية العربية وإلى جمهور أوسع، مع الاحتفاظ بملامح مصرية وعربية تظهر في بعض الأعمال، من دون تحويل التراث إلى قالب ثابت.
وهنا تصبح الهجرة جزءًا أساسيًا من الحكاية.
فالمهاجر لا يحمل معه فقط ما كان يفعله؛ أحيانًا تمنحه البداية الجديدة فرصة لاكتشاف ما يستطيع أن يفعله أيضًا.
خارج صندوق المسمى الوظيفي
نحن معتادون على قصص النجاح ذات الخط المستقيم: دراسة، وظيفة، ترقٍّ، ثم منصب أعلى.
لكن حياة نهى لم تسر بهذا الشكل.
درست العمارة وعملت فيها وتقدمت مهنيًا، لكنها لم تعتبر ذلك سببًا لإغلاق الباب أمام مصممة المجوهرات التي ظهرت لاحقًا، كما لم ترَ في مشروعها الإبداعي سببًا لتترك الميكروفون جانبًا.
بالنسبة إليها، هذه المسارات لا تتنافس.
الهندسة منحتها الدقة والتخطيط.
المجوهرات منحتها حرية التعبير البصري وصناعة شيء يحمل بصمتها.
والإذاعة منحتها مساحة للكلمة والتواصل.
ولهذا يصبح السؤال: «مهندسة أم مصممة أم إعلامية؟» سؤالًا ناقصًا.
فهي لا تحتاج إلى اختيار واحدة وإلغاء الأخريات.
ليس المطلوب أن نترك ما بدأناه
وربما تكون هذه أهم نقطة في قصتها.
فتجربة نهى ليست دعوة إلى أن يترك كل شخص مهنته ليطارد «الشغف»، ولا إلى أن تتحول كل هواية إلى مشروع.
إنها ببساطة تذكير بأن الإنسان يمكن أن يتغير، وأن ظهور اهتمام جديد بعد سنوات لا يعني أن كل ما سبقه كان خطأ.
أحيانًا لا نحتاج إلى هدم الحياة التي بنيناها.
أحيانًا لا نحتاج إلى هدم الحياة التي بنيناها.
نحتاج فقط إلى إضافة باب جديد إليها.
من الإسكندرية إلى الإمارات ثم كندا، لم تنتقل نهى يونس بين ثلاث دول فقط، بل بين أكثر من طريقة للتعبير عن نفسها.
مهندسة تحول الخطوط إلى مبنى.
ومصممة تحول الفكرة إلى قطعة مجوهرات.
وإعلامية تحول الأفكار إلى كلمات تصل إلى الناس.
وفي كل مرة، لم يكن عليها أن تتخلص من النسخة السابقة منها لكي تسمح لنسخة جديدة بالظهور.
لهذا ربما لا تكون حكاية نهى يونس عن الانتقال من العمارة إلى المجوهرات والإذاعة، بقدر ما هي عن حق الإنسان في ألا تكون له إجابة واحدة طوال حياته عن سؤال: «ماذا تعمل؟»
قد يعجبك أيضًا
Authors
-
Tahani Elghazaly5118 المقالات
منشورات شائعة
-
«محمد» يدخل قائمة أكثر 20...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 24, 2026
-
نمو سكان كندا يهبط إلى 0....
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 24, 2026
-
محكمة أونتاريو تلغي رفض O...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 24, 2026
-
كندا تسجل سابع أدنى معدل...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 24, 2026
النشرة البريدية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على أحدث التحديثات!