الوضع المظلم
اشتقت إليك.. حين صار القمر رسالة حب

اشتقت إليك.. حين صار القمر رسالة حب

شارك
Latest news on WhatsApp أجدد الأخبار على واتساب

 

اشتقت إليك

قصة قصيرة

بقلم: أميمة عبدالعزيز

كان اللقاء الأول صدفة محضة. في مجموعة أدبية على الإنترنت، تعارفا على نص شعري. أعجبتها حساسيته، وأعجبته لغتها. بدأ الحديث بسيطاً: "من أين أنت؟" وإذا بها في البرازيل، وهو في المغرب.

 

ثلاث سنوات. ثلاث سنوات من المكالمات التي تمتد حتى الفجر، من الصور المرسلة باكراً: "هذه قهوتي"، "هذه شمس الصباح هنا". صارا يعرفان تفاصيل بعضهما قبل أن يريا وجهاً لوجه. تعلما كيف يحبان عبر الشاشات، كيف يلمسان الخيال فيفتقدان الحقيقة أكثر.

 

خططا ألف خطة. تذاكر الطائرة كانت حلماً بعيداً، وأجور السفر كانت كالجبل بينهما. دخلهما لا يكفي، ورقم الحساب البنكي كان يفضح كل الأحلام. "سأعمل أكثر"، كان يقول. "سأدخر"، كانت ترد. لكن الأيام مرت، والأسعار ترتفع، والحياة لا تنتظر.

 

في ليلة القرار، جلس أمام الكاميرا، عيناه حمراوان. قالت له: "لا أطيق هذا البعد بعد الآن". قال: "ولا أنا". لكنهما كانا يعلمان: لا مال، لا طائرة، لا لقاء. فقط شاشة تفصل بينهما وبين عمر كامل.

 

توقفا عن الاتصال تدريجياً. صار كل منهما يحاول أن يمحو الآخر من ذاكرته، لكن الذاكرة عنيدة. حذف الرسائل، لكنه ظل يردد كلماتها. غيرت رقمها، لكنها بقيت تنتظر رنة لا تأتي.

 

سنة كاملة من الصمت. وفي ليلة قمراء، خرج يتمشى وحيداً، رفع رأسه فجأة إلى القمر المكتمل. تذكر أنها قالت ذات مرة: "القمر الوحيد الذي يرانا معاً". ابتسم بحزن، ونظر طويلاً.

 

في تلك اللحظة بالذات، على الجانب الآخر من المحيط، كانت تقف عند نافذتها. رفعت عينيها إلى القمر نفسه. لم يكتب لها أن تعلم، لكنه كان ينظر إليه في اللحظة ذاتها.

 

ومنذ تلك الليلة، صار القمر عنوانهما السري. كلما اشتاق أحدهما، رفع رأسه إلى السماء وقال بصمت: "هل تراه الآن؟ أتراها تنظر مثلي؟"

 

لا رسائل، لا اتصالات، لا معرفة. فقط يقين غامض في القلب: أن من أحببته يوماً لا يزال ينظر إلى القمر نفسه، في لحظة ما من كل ليلة، ويتذكر.

 

اشتقت إليكِ يا من لا تعلمين أني ما زلت هنا، باق على العهد ما حييت.