سفير لبنان في كندا: حان وقت الانتقال إلى الاستثمار
- بقلم Tahani Elghazaly
- نشر في
- آخر تحديث
سفير لبنان في كندا لـ«تواصل»: حان وقت الانتقال من المساعدات إلى الاستثمار
بشير طوق: العلاقة مع كندا تملك إمكانات أكبر من مستوى التعاون الحالي.. واستعادة الثقة بلبنان تحتاج إلى إصلاحات ونتائج لا إلى كلمات
أجرى الحوار / تهاني الغزالي
يرى سفير لبنان لدى كندا بشير طوق أن العلاقات اللبنانية–الكندية تمتلك من الروابط البشرية والسياسية ما يؤهلها للانتقال إلى مرحلة مختلفة، لا تقوم فقط على الدعم والمساعدات، وإنما على الاستثمار والشراكات الاقتصادية والأكاديمية والتكنولوجية طويلة الأمد.
وفي حوار مع «تواصل نيوز» تناول مستقبل العلاقات بين البلدين، وفرص الاستثمار، ودور الجالية اللبنانية ومستقبل الشباب، قال طوق إن أحد الأهداف التي يعمل عليها هو جعل العلاقة مع كندا «أكثر مؤسساتية وفاعلية»، معتبرًا أن حجم التعاون الحالي لا يزال أقل من الإمكانات المتاحة للبلدين.
وقال إن أولويته منذ وصوله إلى أوتاوا كانت تعزيز الثقة المتبادلة بين لبنان وكندا، والتأكيد أن لبنان، رغم ما مر به من أزمات، يستطيع أن يكون شريكًا في التعاون والاستثمار، إلى جانب توثيق العلاقة مع المسؤولين الكنديين والجالية اللبنانية التي وصفها بأنها "جسر طبيعي بين البلدين".
تعاون أقل من الإمكانات
وعن تقييمه للعلاقة الحالية بين البلدين، قال السفير إن الروابط السياسية والإنسانية بين لبنان وكندا «قوية ومتجذرة تاريخيًا»، وإن وجود جالية لبنانية ناجحة ومؤثرة في كندا يمنح هذه العلاقة بعدًا إضافيًا، إلا أنه أضاف:
"أعتقد أن التعاون الفعلي لا يزال أقل من الإمكانات المتاحة".
وحدد طوق عددًا من المجالات التي يرى فيها فرصًا غير مستثمرة بعد، من بينها التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي والتعليم العالي والطاقة المتجددة والزراعة الحديثة والصناعات الغذائية، إلى جانب توسيع التعاون بين الجامعات ومراكز الأبحاث.
كما دعا إلى الاستفادة بصورة أكثر تنظيمًا من الخبرات اللبنانية الموجودة في كندا لإنشاء مشروعات وشراكات داخل لبنان.
ماذا تريد أوتاوا من لبنان؟
وقال طوق إن الملفات اللبنانية التي تستحوذ على الاهتمام في أوتاوا تشمل استقرار لبنان، والإصلاحات الاقتصادية، ودعم المؤسسات الشرعية، والوضع الإنساني، وأمن الحدود والتطورات الإقليمية.
لكنه يرى في الوقت نفسه أن هناك حاجة إلى فهم أعمق لحجم الضغوط التي تعرض لها لبنان نتيجة تزامن الأزمات الاقتصادية والمالية والاجتماعية والأمنية، وتأثير الظروف الإقليمية في قدراته.
وأضاف أن لبنان ينبغي ألا يُنظر إليه فقط من خلال أزماته، وإنما أيضًا من خلال ما يمتلكه من إمكانات بشرية واقتصادية وفرص للنمو.
ووصف الموقف الكندي تجاه لبنان بأنه يرتكز، من وجهة نظره، على دعم سيادة لبنان ووحدة أراضيه، ومساندة مؤسسات الدولة وفي مقدمتها الجيش اللبناني، وتشجيع الإصلاحات المرتبطة بالاستقرار والنمو.
"التوقعات الدولية مرتفعة أحيانًا"
وفي تقييمه لما يطلبه المجتمع الدولي من الدولة اللبنانية، أقر السفير بأن الفجوة قد تكون كبيرة أحيانًا بين المطلوب والإمكانات المتاحة.
وقال:"في بعض الأحيان، تكون التوقعات الدولية مرتفعة جدًا مقارنة بحجم الموارد المتاحة للدولة اللبنانية"
.
وأكد أن الإصلاحات ضرورية، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن نجاحها يتطلب بيئة داعمة واستثمارات ومساندة دولية طويلة الأمد، معتبرًا أن المسؤولية تقع على الجانبين: لبنان مطالب بالإصلاح وتعزيز الحوكمة، والمجتمع الدولي مطالب بمواكبة هذه الخطوات بأدوات عملية.
من إدارة الأزمات إلى اقتصاد منتج
وعندما سألته «تواصل» عما يحتاجه لبنان اليوم من كندا والمجتمع الدولي، وضع طوق دعم المؤسسات والاستقرار في المقدمة، إلى جانب الاستثمار وخلق فرص العمل ونقل المعرفة والتكنولوجيا.
وقال إن الهدف ينبغي أن يكون:
"مساعدة لبنان على الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء اقتصاد منتج ومستدام قادر على تأمين فرص حقيقية لشبابه".
ومن هنا، يعتبر السفير أن العلاقة مع الشركاء الدوليين تحتاج إلى التطور من النموذج التقليدي القائم على المساعدات إلى نموذج أوسع يقوم على الاستثمار والشراكة الاقتصادية.
وأضاف:"أعتقد أن الوقت حان بالفعل لاستكمال مرحلة الدعم التقليدي بمسار أكثر طموحًا يقوم على الاستثمار والشراكة الاقتصادية. المساعدات تبقى مهمة في بعض المجالات، لكنها لا تخلق وحدها النمو المستدام".
وأشار إلى إمكانية توسيع التعاون بين القطاع الخاص في البلدين في الابتكار والطاقة والتعليم والتكنولوجيا والتجارة.
لماذا يستثمر الكندي في لبنان؟
وفي سؤال مباشر حول الرسالة التي سيقدمها إلى مستثمر كندي يفكر في لبنان، ركز طوق على العناصر التي يعتقد أنها ما زالت تمنح الاقتصاد اللبناني فرصًا، وفي مقدمتها الموقع الجغرافي، والكفاءات البشرية، ومرونة القطاع الخاص، وشبكة العلاقات الاقتصادية مع المنطقة والعالم.
وحدد التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي والطاقة المتجددة والزراعة المتخصصة والصناعات الغذائية والسياحة والخدمات المهنية ضمن القطاعات التي يمكن أن تستقطب استثمارات.
لكنه لم يتجاهل العقبات.
وأوضح أن المستثمر يحتاج إلى بيئة مستقرة وواضحة ويمكن التنبؤ بها، مشيرًا إلى أن الإصلاحات الاقتصادية والإدارية، والثقة بالقطاع المصرفي، وسرعة الإجراءات، تشكل جميعها عناصر مؤثرة في قرار الاستثمار.
وأضاف أن استعادة الثقة تتطلب استمرار الإصلاح وتعزيز الشفافية وتطوير بيئة أعمال أكثر كفاءة ووضوحًا.
مشروع واحد يريده السفير: مجلس أعمال لبناني–كندي
وعندما طلبت «تواصل» من السفير اختيار مشروع اقتصادي واحد يتمنى إنجازه خلال مهمته، جاءت إجابته محددة:
إنشاء مجلس أعمال لبناني–كندي دائم وفاعل.
وقال إن المجلس المقترح يمكن أن يضم رجال الأعمال والمستثمرين والمؤسسات الاقتصادية من البلدين، وأن ينقل التعاون الاقتصادي من مبادرات منفردة إلى إطار مؤسساتي مستمر.
وأضاف:"مثل هذا المجلس يمكن أن يحول العلاقات الاقتصادية من مبادرات متفرقة إلى شراكة مؤسساتية مستدامة قادرة على خلق فرص استثمار وتجارة وتعاون حقيقي"
وهذه النقطة تحديدًا تضع أمام مجتمع الأعمال اللبناني في كندا تصورًا عمليًا لدور يتجاوز العلاقات الاجتماعية والمبادرات الفردية إلى بناء قناة اقتصادية منظمة بين البلدين.
الاغتراب: رأس مال لا يُستثمر بالكامل
وشغل دور اللبنانيين في كندا مساحة أساسية من الحوار، إذ وصف طوق الجالية بأنها تمتلك رأس مال بشريًا ومعرفيًا واقتصاديًا ضخمًا، لكنه دعا إلى توفير آليات أكثر مؤسساتية للاستفادة منه.
واقترح إنشاء شبكات خبراء، وبرامج إرشاد للشباب، وصناديق استثمار متخصصة، وشراكات أكاديمية ومهنية، بحيث تصبح مساهمة اللبنانيين في الخارج عملية مستمرة وليست استجابة مرتبطة بالأزمات أو المناسبات.
وفي مواجهة تراجع ثقة بعض اللبنانيين في الخارج بمؤسسات بلدهم، لم يقلل السفير من أسباب هذا الشعور.
وقال:"مشاعره مفهومة ومشروعة بعد التجارب الصعبة التي مر بها لبنان"
.
لكنه شدد على أن إعادة بناء الثقة «لا تتم بالكلمات وحدها»، وإنما بالإصلاح والنتائج الملموسة، معتبرًا أن اللبنانيين في الخارج سيظلون جزءًا أساسيًا من عملية النهوض وإعادة البناء.
الجيلان الثاني والثالث.. الحنين وحده لا يكفي
وتوقف الحوار عند سؤال ربما يكون من أكثر الأسئلة إلحاحًا بالنسبة إلى الجالية اللبنانية في كندا: كيف يمكن الاحتفاظ بعلاقة الجيلين الثاني والثالث بلبنان؟
وقال طوق إن طريقة ارتباط هذه الأجيال بلبنان تختلف عن تجربة الآباء والأجداد، ولذلك "لا يكفي الاعتماد على الروابط العاطفية التقليدية".
ودعا إلى الاستثمار في التبادل الأكاديمي وبرامج الشباب وتعليم اللغة العربية والمبادرات الرقمية والزيارات المنظمة إلى لبنان، بما يسمح ببناء علاقة مباشرة ومستدامة بين الأجيال الجديدة وبلد أصولها.
الهجرة يجب ألا تصبح الخيار الوحيد
أما عن استمرار نزيف الشباب اللبناني إلى الخارج، فميز السفير بين الهجرة باعتبارها جزءًا تاريخيًا من التجربة اللبنانية وبين تحولها إلى ضرورة مفروضة.
وقال:"التحدي يكمن في ألا تتحول الهجرة إلى خيار وحيد أمام الشباب".
وأضاف أن نجاح لبنان الحقيقي يتمثل في أن يملك أبناؤه حرية الاختيار بين البقاء في بلدهم، أو العودة إليه، أو العمل في الخارج، بدلًا من أن تكون المغادرة نتيجة حتمية لغياب الفرص.
وعندما سألناه عما يقوله لشاب لبناني لا يرى مستقبلًا له في وطنه، أقر بحجم القلق الذي يشعر به الشباب، لكنه قال إن لبنان لا يزال يحتاج إلى علمهم وكفاءاتهم وإبداعهم، وإن إعادة البناء لا يمكن أن تكون مسؤولية الدولة وحدها.
"لبنان ليس أزماته فقط"
ومن بين الصور التي يريد طوق تغييرها في الخارج، اختزال لبنان في الأزمة السياسية والاقتصادية.
وقال:
"أكثر ما أسعى إلى تصحيحه هو اختزال لبنان بأزماته فقط".
وأضاف أن لبنان هو أيضًا «بلد الابتكار والتعليم والثقافة وريادة الأعمال والإبداع الإنساني»، مستشهدًا بما يحققه اللبنانيون من نجاح في كندا ودول أخرى بوصفه مؤشرًا على حجم القدرات البشرية التي يمتلكها البلد.
كيف يقيس نجاح مهمته؟
وبعيدًا عن عدد اللقاءات والاجتماعات الدبلوماسية، ربط طوق نجاح مهمته بما يمكن أن يبقى بعدها.
وقال إنه سيعتبر ترسيخ شراكات مستدامة بين المؤسسات اللبنانية والكندية، وتعزيز الحضور الاقتصادي والثقافي والأكاديمي للبنان، وجعل العلاقة بين البلدين أكثر حيوية، من المؤشرات الأساسية على تحقيق مهمته لأهدافها.
وأضاف:"الأثر الحقيقي لأي سفير لا يقاس باللقاءات فقط، بل بالمبادرات التي تستمر وتبقى حية بعد انتهاء مهمته".
وفي ختام الحوار، وجه السفير رسالة إلى اللبنانيين في كندا، وصفهم فيها بأنهم «مصدر فخر للبنان»، ودعاهم إلى المحافظة على ارتباطهم ببلدهم على أساس يتجاوز الحنين إلى "الشراكة والمسؤولية والأمل".
وقال:"أنتم قصة نجاح لبنانية وكندية في آن معًا، وجسر حقيقي بين بلدين تربطهما الصداقة والاحترام والتاريخ المشترك".
قد يعجبك أيضًا
Authors
-
Tahani Elghazaly5130 المقالات
منشورات شائعة
-
خلال استقباله جورج خباز.....
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 25, 2026
-
قداس من أجل السلام يجمع ق...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 25, 2026
-
السوق هادئ الآن.. لكن ماذ...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 24, 2026
-
«القصص» يحمل اختيار مصر إ...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 24, 2026
النشرة البريدية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على أحدث التحديثات!