الوضع المظلم
ما وراء البروتوكول | مريم رحمانية شهاب: «البيت ليس مكانًا فقط.. بل شعور نحمله معنا»

ما وراء البروتوكول | مريم رحمانية شهاب: «البيت ليس مكانًا فقط.. بل شعور نحمله معنا»

شارك
Latest news on WhatsApp أجدد الأخبار على واتساب

 

إعداد وحوار / تهاني الغزالي

تبدو الحياة الدبلوماسية، من الخارج، مرتبطة بحفلات الاستقبال والمناسبات الرسمية واللقاءات بين ممثلي الدول. لكن إلى جانب هذه الصورة، توجد حياة أخرى أكثر هدوءًا وإنسانية؛ أسرة تنتقل من بلد إلى آخر، وبيت يُبنى من جديد، وصداقات تتشكل عبر الثقافات، وامرأة تحاول أن تحافظ على هويتها واهتماماتها بينما تشارك شريك حياتها رحلة دبلوماسية متغيرة.

 

بهذه المساحة الإنسانية تبدأ «تواصل نيوز» سلسلة «ما وراء البروتوكول»، وفي حلقتها الأولى تتحدث مريم رحمانية شهاب، زوجة سفير جمهورية إندونيسيا لدى كندا، عن تجربتها في كندا، ومعنى البيت والانتماء، والحفاظ على الهوية، والدور الذي يمكن أن تصنعه العلاقات الإنسانية بعيدًا عن اللغة الرسمية للدبلوماسية.

 

عندما تقارنين الأشهر الأولى في كندا بحياتك اليوم، ما أكثر شيء تغير بالنسبة إليك شخصيًا؟

 

أكبر تغير بالنسبة إليّ هو ذلك الشعور العميق بالارتباط والانتماء الذي أصبحنا نعيشه اليوم.

 

في البداية كان تركيزنا منصبًا على التأقلم مع بيئة جديدة ونمط حياة مختلف، أما الآن فأصبحت كندا بالفعل وطنًا ثانيًا دافئًا بالنسبة إلينا.

 

وأجمل ما في هذه التجربة أن الاختلافات الثقافية تحولت إلى جسور قوية للصداقة. وأشعر بالامتنان لأنني أستطيع، بطريقتي، أن أساهم في تعزيز الروابط بين الشعبين الإندونيسي والكندي.

 

الناس يرون زوجة الدبلوماسي في المناسبات وحفلات الاستقبال. ما الجانب الأصعب الذي لا يراه الآخرون عادة؟

أصعب ما في الأمر ربما هو البدء من جديد باستمرار.

وراء الدور العام توجد مرحلة من التأقلم السريع مع ثقافة جديدة، ولغة مختلفة، وإيقاع حياة غير مألوف. الحياة الدبلوماسية تدفعك في كل محطة إلى الخروج من منطقة الراحة، ومحاولة خلق إحساس بالبيت في بلد جديد خلال وقت قصير.

 

وفي الوقت نفسه، هناك مسؤولية الحفاظ على الاستقرار العاطفي للأسرة، وأن يشعر كل فرد فيها بأنه مدعوم وثابت وسط كل هذا التغيير.

 

إنها عملية هادئة من التكيف، لا يراها الناس دائمًا، لكنها تمثل جزءًا أساسيًا من هذه الحياة.

 

كل مهمة دبلوماسية تعني بناء حياة جديدة. كيف تصنعين إحساس «البيت» في مكان تعرفين أنك ستغادرينه يومًا؟

بالنسبة إليّ، البيت ليس مكانًا ماديًا ثابتًا فقط، بل شعور نحمله معنا.

 

أحاول أن أحمل إلى كل مكان دفء الضيافة الإندونيسية وتقاليد أسرتنا التي نعتز بها. قد يكون ذلك في رائحة الطعام التقليدي داخل المطبخ، أو في الحرف التراثية التي نضعها في المنزل، أو في روائح الزهور والتوابل المألوفة لدينا.

 

هذه التفاصيل الصغيرة تمنحنا إحساسًا سريعًا بالراحة.

 

وفي الوقت نفسه، نستقبل المجتمع المحلي بقلب مفتوح. وعندما تمتزج الثقافة الكندية بجذورنا الإندونيسية، نستطيع أن نصنع بيتًا مؤقتًا لكنه يحمل معنى حقيقيًا، ونعيش تفاصيله ونقدّرها قبل أن يحين وقت الوداع.

 

كيف تحافظين على هويتك واهتماماتك وطموحاتك الشخصية وسط حياة ترتبط بطبيعتها بالمسؤوليات الدبلوماسية؟

أرى هذه الرحلة باعتبارها شراكة وفرصة للنمو الشخصي، وليست حياة في ظل شخص آخر.

 

أدعم مهمة زوجي بكل تأكيد، لكنني أرى أيضًا أن هذه التجربة تتيح لي توجيه اهتماماتي ومهاراتي إلى مجالات تحمل معنى بالنسبة إليّ، سواء من خلال المشاركة المجتمعية أو التعلم المستمر أو التوجيه.

 

وفي كندا، أتيحت لي فرص عديدة لذلك. شغلت في العام الماضي منصب أمينة سر Head of Mission Spouses Association (HOMSA)، وهي تجربة وسعت دائرة علاقاتي وساعدتني على تطوير مهاراتي التنظيمية.

 

كما شاركت في Diplomatic Hospitality Group (DHG) وInternational Club of Ottawa (ICO)، ما أتاح لي التواصل وتبادل الأفكار مع أشخاص من خلفيات مختلفة.

 

وأشغل كذلك منصب رئيسة منظمة النساء الإندونيسيات في أوتاوا Dharma Wanita Persatuan، حيث أركز على بناء القدرات والتطوير الشخصي وتعزيز التضامن بين العضوات.

 

وأؤمن بأن حفاظي على نشاطي الفكري وطموحاتي الشخصية يجعلني أكثر قدرة على العطاء لأسرتي وللدور الذي أقوم به إلى جانب زوجي.

 

هل تعتقدين أن زوجات الدبلوماسيين يمارسن بدورهن شكلًا من أشكال الدبلوماسية؟

بالتأكيد.

أعتقد أن هذا الدور يمكن أن يكون جزءًا مهمًا من الدبلوماسية العامة والقوة الناعمة.

فبينما يعمل الدبلوماسيون في مساحات السياسات والعلاقات الرسمية بين الدول، تتحرك زوجات الدبلوماسيين في مساحات أخرى تُبنى فيها العلاقات اليومية؛ من خلال الصداقات، والمشاركة المجتمعية، والتبادل الثقافي.

 

قد يبدأ بناء الثقة من حديث دافئ في مناسبة خيرية، أو مشاركة طبق تقليدي، أو التعاون في مشروع مجتمعي.

هذه العلاقات الإنسانية تستطيع أن تخفف الحواجز وتعزز التفاهم بين الشعوب، وتكمل العمل الدبلوماسي الرسمي بطريقة إنسانية أصيلة.

 

هل أثرت الحياة في كندا في نظرتك إلى هويتك الإندونيسية؟

 

الحياة في كندا عمقت تقديري لهويتي الإندونيسية.

كندا معروفة بتعددها الثقافي، حيث تشكل الخلفيات المختلفة جزءًا من نسيج المجتمع. ومعايشة هذا التنوع جعلتني أقدّر بصورة أعمق شعار إندونيسيا الوطني Bhinneka Tunggal Ika، "الوحدة في التنوع".

 

رؤية احترام الاختلاف هنا جعلتني أكثر وعيًا بقيمة التعدد الثقافي في إندونيسيا أيضًا، وزادت اعتزازي بتراثنا وبقيم الدفء وروح المجتمع والقدرة على الصمود.

 

العيش في كندا لم يغير من أكون، لكنه جعل رؤيتي لهويتي أكثر وضوحًا.

وما الدور الذي لعبته الجالية الإندونيسية في كندا في منحكم الشعور بالانتماء؟

 

الجالية الإندونيسية هنا تمثل بالنسبة إلينا عائلتنا الممتدة بعيدًا عن الوطن.

 

سواء التقينا في المناسبات الوطنية أو الفعاليات الثقافية أو حتى اللقاءات البسيطة، هناك شعور فوري بالألفة والدفء.

وأشعر بالفخر عندما أرى أفراد الجالية يحافظون على ثقافتهم، وفي الوقت نفسه ينجحون ويساهمون في المجتمعات المحلية التي يعيشون فيها بكندا.

 

هم يذكروننا بمن نكون، ويجعلون تجربتنا هنا أكثر مشاركة ومعنى.

 

الحياة الدبلوماسية مليئة بالعلاقات، لكنها تعني أيضًا الوداع مرارًا. هل هذا جانب لا يراه الناس كثيرًا؟

بالتأكيد.

الوداع من أكثر جوانب هذه الحياة تأثيرًا. الناس يرون المناسبات وحفلات الاستقبال، لكنهم نادرًا ما يرون اللحظات الهادئة التي نحزم فيها البيت ونترك وراءنا صداقات أصبحت عزيزة علينا.

 

ومع ذلك، هناك جانب جميل أيضًا. داخل المجتمع الدبلوماسي قد نجد في كل محطة عائلة جديدة، وقد تتقاطع طرقنا من جديد مع أصدقاء قدامى في أماكن لم نتوقعها.

 

وكانت كندا مثالًا جميلًا على ذلك بالنسبة إلينا.

 

لذلك، رغم كثرة الوداع، أشعر أن عالمنا لا يصغر، بل يتسع، وتكبر معه دائرة من الأصدقاء الذين يصبحون مع الوقت عائلة موزعة حول العالم.

 

عندما يسمع الناس لقب «زوجة السفير»، ما الذي تتمنين أن يعرفوه عن المرأة التي تحمل هذا اللقب؟

أتمنى أن يفهم الناس أن وراء اللقب امرأة لها عقلها المستقل وشغفها وهويتها الخاصة، وأنها تختار أيضًا أن تشارك في خدمة بلدها.

 

المرأة التي تحمل هذا اللقب متعددة الأبعاد؛ قد تكون أمًا وشريكة ومهنية، وتشارك في عالم الدبلوماسية من خلال العلاقات الإنسانية.

 

ظهورنا في حفلات الاستقبال ليس سوى جزء صغير من حياتنا.

 

وراء ذلك توجد الأسرة، والعمل المجتمعي، والقدرة المستمرة على تحويل حياة متنقلة ومؤقتة إلى تجربة ذات هدف ومعنى.

 

وما النصيحة التي تقدمينها لامرأة تستعد لأول مهمة دبلوماسية مع زوجها؟

أن تدخل هذه الرحلة بقلب مفتوح، لكن ألا تفقد هويتها.

 

من السهل أن تنشغل بالبروتوكول والتوقعات العامة، لكن عليها أن تتذكر أنها شريكة متساوية، وأن كل محطة جديدة يمكن أن تكون مساحة للتعلم والتطور.

 

أن تبني علاقات حقيقية داخل المجتمع الدبلوماسي وخارجه، وأن تجد هدفًا يرتبط بشغفها، وأن تحافظ على دفء بيتها وقوة التواصل داخل أسرتها.

 

والأهم أن تثق بقدرتها على التكيف، وأن تتذكر أن ما تضيفه إلى هذا الدور يبدأ من شخصيتها هي ومن الأشياء التي تجعلها متفردة.