الوضع المظلم
نظيرة الحارثية.. معلمة الجغرافيا التي حملت علم عُمان إلى قمم العالم

نظيرة الحارثية.. معلمة الجغرافيا التي حملت علم عُمان إلى قمم العالم

شارك
Latest news on WhatsApp أجدد الأخبار على واتساب

 

عملت نظيرة معلمة لمادة الجغرافيا، ثم انتقلت للعمل في وزارة التربية والتعليم العُمانية، وحصلت على درجة الماجستير في الجغرافيا. وفي عام 2015، قادت مجموعة من الطلبة العُمانيين في رحلة لمحاولة صعود جبل كليمنجارو ضمن أحد البرامج التعليمية. لم تنجح في الوصول إلى القمة بسبب إصابتها بأعراض الارتفاع، لكن التجربة التي كان يمكن أن تنهي حلمها تحولت إلى بداية حقيقية له.

 

كانت نظيرة قد نشأت في بيئة يغلب عليها الحر والرطوبة، وذكرت في سيرتها أنها لم تر الثلج للمرة الأولى إلا خلال رحلتها إلى جبل «آما دابلام» عام 2018. ومع ذلك، لم تعتبر اختلاف البيئة عائقًا، بل بدأت تدريبات بدنية شاقة شملت الجري لمسافات طويلة وتسلق جبال عُمان والاستعداد النفسي والبدني للعمل في درجات حرارة منخفضة وارتفاعات ينخفض فيها مستوى الأكسجين.

 

وفي 23 مايو 2019، حققت حلمها وأصبحت أول امرأة عُمانية وثاني شخص من سلطنة عُمان يصل إلى قمة إيفرست، أعلى نقطة على سطح الأرض. وكانت ضمن فريق نسائي عربي ضم السعودية منى شهاب واللبنانيتين جويس عزام ونيللي عطار.

لم يكن الوصول إلى إيفرست نهاية رحلتها، بل بدا كأنه إعلان عن بدايتها.

 

امرأة لا تتوقف عند قمة واحدة

 

عادت نظيرة إلى جبال الهيمالايا، وتمكنت عام 2021 من بلوغ قمة «ماناسلو»، ثامن أعلى جبال العالم، ورفعت فوقها علم سلطنة عُمان. كما نجحت في الوصول إلى قمة «آما دابلام» بعد محاولة سابقة لم تكتمل، لتثبت أن التراجع في إحدى المحاولات لا يعني الهزيمة، وأن بعض القمم تحتاج إلى العودة إليها بخبرة أكبر ونفس أكثر صبرًا.

 

وفي عام 2022، صعدت جبل «كيه 2»، ثاني أعلى قمة في العالم وأحد أخطر الجبال على المتسلقين. ثم أضافت إلى مسيرتها جبل ماترهورن عام 2023، قبل أن تصبح في يوليو 2024 أول عُمانية تصل إلى قمة «نانغا باربات»، المعروفة بين المتسلقين باسم «الجبل القاتل». وبذلك كانت قد صعدت أربع قمم يتجاوز ارتفاعها ثمانية آلاف متر: إيفرست وماناسلو وكيه 2 ونانغا باربات.

 

هذه الإنجازات لا تختصرها الأرقام وحدها. خلف كل قمة كانت هناك ساعات طويلة من التدريب، وليالٍ شديدة البرودة، وخطر دائم من الانهيارات الثلجية ونقص الأكسجين والإرهاق. وكانت نظيرة تتحدث بوضوح عن حقيقة هذه الرياضة، من دون تجميل لمخاطرها أو ادعاء أن الشجاعة تعني غياب الخوف.

 

لماذا تنتمي قصتها إلى صفحة المرأة؟

 

لأن نظيرة الحارثية لم تكن مجرد متسلقة حققت أرقامًا قياسية، بل امرأة أعادت تعريف الصورة التقليدية للنجاح.

بدأت حلمها الكبير في مرحلة نضج، بعد سنوات من العمل في التعليم والخدمة العامة. لم تقل إن الفرصة انتهت، ولم تعتبر أن المغامرات الكبرى حكر على عمر محدد أو جنس بعينه. انتقلت من تدريس الجبال إلى تسلقها، ومن مشاهدة الثلج للمرة الأولى إلى الوقوف فوق أعلى قمم العالم.

وقصتها لا تدعو النساء إلى المخاطرة غير المحسوبة، بل إلى الإعداد الجيد وعدم الاستسلام للفشل الأول. فنظيرة لم تصل إلى جميع القمم من المحاولة الأولى، لكنها تعاملت مع كل إخفاق باعتباره درسًا، ومع كل تجربة صعبة باعتبارها خطوة على الطريق.

كانت تدرك أن القمة لحظة قصيرة، أما الرحلة الحقيقية فهي التدريب والانضباط ومقاومة الشك. ولهذا فإن إرثها لا يخص رياضة تسلق الجبال وحدها؛ بل يمتد إلى كل امرأة تحمل حلمًا يبدو أكبر من ظروفها، أو تبدأ طريقًا جديدًا بعدما أخبرها الآخرون أن الوقت قد تأخر.

بقي الأثر بعد الرحيل

 

انتهت رحلة نظيرة الحارثية على أحد الجبال التي أحبتها وكرست سنوات من حياتها للاستعداد لها. غير أن صورتها وهي ترفع علم عُمان فوق إيفرست وماناسلو وكيه 2 ونانغا باربات ستظل جزءًا من ذاكرة الرياضة النسائية العربية.

 

لم تكن الجبال بالنسبة إليها مجرد أماكن مرتفعة، بل اختبارات للقدرة على الصبر والتعلم ومواجهة الذات. وقد تركت للنساء رسالة لا تحتاج إلى كلمات كثيرة: قد تكون الطريق قاسية، وقد لا تنجح المحاولة الأولى، لكن الحدود التي نعتقد أنها ثابتة يمكن تغييرها بالمعرفة والتدريب والإرادة.

 

رحلت نظيرة إلى قمتها الأخيرة، لكن اسمها سيبقى شاهدًا على امرأة عُمانية بدأت من فصل الجغرافيا، وانتهت وهي تكتب اسم بلادها فوق قمم العالم.