الوضع المظلم
المغاربة في كندا: نجاحات بأسماء ووجوه

المغاربة في كندا: نجاحات بأسماء ووجوه

شارك
Latest news on WhatsApp أجدد الأخبار على واتساب

 

 

لم تعد قصة المغاربة في كندا مجرد حكاية جالية مهاجرة تبحث عن الاستقرار، بل أصبحت جزءًا واضحًا من قصة كندا الحديثة: تعليم، ريادة أعمال، سياسة، تكنولوجيا، حضور ثقافي، وقدرة لافتة على التحرك بين أكثر من لغة وهوية وسوق.

 

تقول الحكومة الكندية إن عدد أفراد الجالية المغربية في كندا بلغ، بحسب تعداد 2016، نحو 104 آلاف شخص، بينما تشير تقديرات مغربية إلى أن العدد أقرب إلى 300 ألف، مع تمركز واضح في منطقة مونتريال. كما يسافر أكثر من 5 آلاف طالب مغربي سنويًا إلى كندا للدراسة في الكليات والجامعات، تقليديًا إلى كيبيك، وبشكل متزايد إلى مقاطعات أخرى.

 

لكن قوة هذه الجالية لا تقاس بالأرقام وحدها. فالمغاربة جاءوا إلى كندا وهم يحملون رصيدًا لغويًا وثقافيًا نادرًا: العربية، الدارجة المغربية، الأمازيغية، الفرنسية، ثم الإنجليزية التي يكتسبها كثيرون بعد الوصول. هذا التنوع منحهم قدرة خاصة على الاندماج في كيبيك الفرنكوفونية، وفي الوقت نفسه الانفتاح على سوق العمل الأوسع في أونتاريو وغرب كندا.

 

في عالم الأعمال، يبرز اسم ألدو بنسعدون، المولود في المغرب، كواحد من أشهر النماذج المغربية الكندية. فقد أسس مجموعة ALDO في مونتريال، وهي شركة أحذية وإكسسوارات تعمل في أكثر من 100 دولة، كما حصل على وسام كندا عام 2012، وعلى وسام كيبيك الوطني عام 2014. قصة بنسعدون مهمة لأنها تختصر مسارًا كاملًا: مهاجر يحمل خلفية عائلية مرتبطة بالتجارة والأحذية، ثم يحول هذه الخبرة إلى علامة عالمية خرجت من مونتريال إلى الأسواق الدولية.

 

وفي السياسة والعمل العام، تقدم فاطمة هدى بيبان نموذجًا مبكرًا وبارزًا لحضور المرأة المغربية في الحياة العامة الكندية. وُلدت في مكناس عام 1951، ودرست في المغرب ثم في جامعات لافال وأوتاوا وماكغيل، وعملت مستشارة في قضايا الهجرة والعلاقات بين الثقافات قبل انتخابها نائبة في الجمعية الوطنية في كيبيك عام 1994. وقد أعيد انتخابها عدة مرات، وتولت منصب النائبة الأولى لرئيس الجمعية الوطنية في كيبيك بين 2007 و2012.

 

هذا الحضور السياسي لا يتوقف عند الجيل الأول. ففي البرلمان الفدرالي الحالي، يظهر اسم عبد الحق ساري، النائب عن دائرة Bourassa في كيبيك، بوصفه شخصية مغربية كندية جمعت بين التعليم، العمل البلدي، وخدمة المجتمعات المهاجرة. ويصفه المعهد العربي الكندي بأنه مرب وقائد مجتمعي ونائب فدرالي، عمل سابقًا مستشارًا في بلدية مونتريال ونائبًا لرئيس لجنة السلامة العامة.

 

وفي مجال التكنولوجيا وريادة الأعمال الحديثة، تبرز نوهيلا الشلخاوي، التي جاءت إلى كندا من المغرب وهي في السابعة عشرة كطالبة دولية، ثم أسست Scale Without Borders لدعم المهاجرين والقادمين الجدد في قطاع التكنولوجيا. قصتها تعطي التقرير بعدًا معاصرًا مهمًا، لأنها لا تتحدث فقط عن النجاح الفردي، بل عن تحويل تجربة الهجرة نفسها إلى منصة لمساعدة مهاجرين آخرين على دخول عالم الشركات الناشئة والتقنية.

 

كما يمكن قراءة صعود شخصيات من أصل مغربي مثل راشيل بنديان، نائبة Outremont، كدليل على أن الحضور المغربي في كندا لم يعد محصورًا في الجيل المهاجر فقط، بل امتد إلى أجيال جديدة داخل المؤسسات. تولت بنديان مناصب وزارية وبرلمانية، منها وزيرة اللغات الرسمية، ووزيرة الهجرة واللاجئين والمواطنة لفترة قصيرة في عام 2025، ثم أصبحت سكرتيرة برلمانية لرئيس الوزراء. وهنا يجب التمييز بدقة: بنديان ليست نموذجًا لمهاجرة وصلت حديثًا، بل نموذج لجيل كندي من أصل مغربي وصل إلى مواقع سياسية رفيعة.

 

أما في التعليم، فالقصة لا تزال تُكتب كل عام. فالحكومة الكندية تعرض قصة أحمد التازي، الطالب المغربي في الهندسة الميكانيكية بجامعة مونكتون في نيوبرنزويك، كنموذج لطالب اختار كندا بسبب سمعة التعليم وفرص العمل في مجالات مثل التصميم الميكانيكي والطاقة المتجددة وإدارة المشاريع. مثل هذه القصص الصغيرة مهمة لأنها تمثل الجيل القادم من الكفاءات المغربية في كندا.

 

ورغم هذه النماذج المضيئة، لا تكتمل الصورة من دون الاعتراف بصعوبة الطريق. فنجاح المهاجر المغربي في كندا لا يحدث دائمًا بسرعة. كثيرون يواجهون تحديات معادلة الشهادات، والخبرة الكندية، والحواجز اللغوية، وتكلفة المعيشة، والبدء من مهن أقل من مؤهلاتهم الأصلية. لذلك تبدو النماذج الناجحة أكثر قيمة، لأنها لا تقول إن الطريق سهل، بل تقول إن الصعود ممكن حين يجتمع التعليم، والصبر، والشبكات المهنية، والقدرة على إعادة بناء الذات.

 

ما يميز المغاربة في كندا أنهم لا يأتون بهوية واحدة مغلقة. هم يحملون ذاكرة شمال إفريقيا، وعمقًا عربيًا وأمازيغيًا، وحضورًا فرنكوفونيًا، ومرونة واضحة في التعامل مع المجتمع الكندي متعدد الثقافات. هذه التركيبة جعلتهم قادرين على لعب أدوار متعددة: رجال وسيدات أعمال، طلاب، باحثون، أطباء، مهندسون، سياسيون، ناشطون، وأصحاب مشاريع صغيرة ومتوسطة.

 

لذلك، فإن قصة المغاربة في كندا ليست قصة نجاح فردية هنا أو هناك، بل مسار جماعي يتراكم عبر أجيال. من ألدو بنسعدون في عالم الأعمال، إلى فاطمة هدى بيبان في السياسة الكيبيكية، إلى عبد الحق ساري في البرلمان الفدرالي، إلى نوهيلا الشلخاوي في التكنولوجيا، وصولًا إلى آلاف الطلاب والمهنيين الذين لا تظهر أسماؤهم في العناوين لكنهم يبنون حضور الجالية يومًا بعد يوم.

 

إنها جالية تكتب نجاحها بهدوء، لا بالضجيج. جالية تعرف معنى البداية من جديد، وتفهم أن الاندماج الحقيقي لا يعني التخلي عن الجذور، بل تحويلها إلى قوة. وفي زمن تحتاج فيه كندا إلى المهارات، واللغات، والجسور مع العالم، يبدو المغاربة جزءًا مهمًا من الإجابة.