الوضع المظلم
أين تذهب الشمس؟.. رحلة صابر الجنزوري بين المعرفة والوهم والحقيقة

أين تذهب الشمس؟.. رحلة صابر الجنزوري بين المعرفة والوهم والحقيقة

شارك
Latest news on WhatsApp أجدد الأخبار على واتساب

 

من كتاب "آدم في العالم الموازي"
للكاتب صابر الجنزوري

 

في نصه "أين تذهب الشمس؟"، يضع صابر الجنزوري بطله أمام أسئلة تبدو في ظاهرها بسيطة، لكنها تقوده إلى مواجهة أكثر الأسئلة الإنسانية تعقيدًا: ما الفضيلة؟ وما العقل؟ وما العدل؟ وما الروح؟ وأين يقف الإنسان بين عالم يراه بعينيه وحقيقة يحاول الوصول إليها؟

 

يبدأ المشهد أمام غروب الشمس، ثم ينتقل إلى لقاء غامض مع شيخ عجوز على الشاطئ، قبل أن يعود البطل إلى عالم السيرك، حيث تتحول الأسئلة الفلسفية الكبرى إلى مادة للضحك أمام الجمهور. وبين البحر والسيرك، وبين الشيخ والبهلوان، يصنع الجنزوري مفارقة حادة بين الإنسان الباحث عن المعنى والعالم الذي قد يضحك حين يُسأل عن أعمق ما فيه.

"أين تذهب الشمس؟"

 

وقف قبالة الشمس عند الغروب، وخاطبها:

 

أين تذهبين وأنا أراك تغرقين في البحر، وتختفين من السماء؟
أتذهبين إلى عالم آخر غير عالمنا؟
كل العوالم مظلمة، وأظلمها هذا العالم الذي نعيش فيه.

أفلت الشمس، فهَمَس:

 

إني أحب الأفلين.

استلقى على الشاطئ.
احتضنته الرمال.
أخذته سنة من النوم.

أيقظه صوت هادئ لشيخ عجوز:

 

انهض يا بني، البحر غدار
يا ولدي، ولا أحد هنا غيرك.

تفحص وجه الرجل وهيئته في ضوء القمر الفضي،
وصخب الموج يرتفع.

قال:

 

يا لك من شيخ طيب، لكن لماذا أنت هنا؟

أجاب العجوز:

أكتب، وأغني، وأصلي...

سأله:

عن أي شيء تكتب؟ وتغني؟ وتصلي لمن؟

قال:

 

أكتب عن الفضيلة، والعقل، والعدل وأغني للروح
وأصلي للإنسان الأعلى.

عاود السؤال:

وما الفضيلة؟

رد العجوز:

ما تعطيه لغيرك من خير، ولا تنتظر عليه شيئًا.

سأل:

 

وما العقل؟

كائن جائع إلى المعرفة.

سأل:

والعدل؟

أجاب الشيخ:

كلمة اخترعناها لعالمنا.

 

سأل:

وما عالمنا؟

أجاب:

جسد نعيش بداخله، ونفس تحكمنا. لو علمته، لعرفت
بشاعته وصورته الرديئة.

سأل:

وما الروح؟

تنهد العجوز قائلاً:

خفاء لا هواء، ونور لا نار، وصفاء لا ماء.

سأل:

 

والإنسان الأعلى؟

أجاب:

أنت، يا بني، الإنسان الأعلى

ثم أردف:

هيا، انهض واذهب بعيدًا من هنا، حتى لا يؤذيك البحر
ولا تسأل عن شيء آخر.

 

نهض، وتفحص وجه الشيخ الغاضب.
تسرب إليه خوف شديد، ورعب غامض. امتثل لأمر
الرجل، وتوارى عن ناظريه. عاد إلى صحب المدينة، وقال
في نفسه:

 

من صحب إلى صحب أتينا، وإلى صحب سوف نرحل.

وصل إلى خيمة السيرك، دلف إلى حجرته، ارتدى أقنعته،
لون وجهه بأصباغ حمراء، وصفراء، وخضراء، وزرقاء،
ثم خرج إلى الجمهور الذي كان ينتظر فقرته.

 

تجول بينهم، يداعب الأطفال والكبار، يضحكهم، ويضحكون
منه وعليه.

وفي ختام فقرته، سألهم بعفوية البهلوان الضاحكة:

ما الفضيلة؟ ما العقل؟ ما العدل؟ ما الروح؟

ضحكوا كما لم يضحكوا من قبل.

سألهم ثانية:

 

هل سمعتم عن الإنسان الأعلى؟

فأشاروا إلى السماء.

سألهم وهو يوزع ضحكاته ويجري بين صفوفهم:

أين تذهب الشمس؟

صمتوا، وأطفئت أنوار الخيمة.

 

خرج من السيرك، يهرول نحو البحر، لعله يجد العجوز. لم
يعثر عليه. وقف قبالة القمر، وخاطبه:

أين النور؟

 

نزل إلى الماء... عاند الموج... امتزجت دموعه بماء
البحر... ظل يبحث عن الشمس... التقط العجوز ملابسه،
ولفها في حفرة رملية. تكللت الأصابع، ورسمت بقعة
حمراء داكنة فوقها... بكى... صلى... غنى... وقال:

هناك... سوف ترى الحقيقة عارية، يا ولدي