الوضع المظلم
صندوق كندا السيادي أمام اختبار مبكر

صندوق كندا السيادي أمام اختبار مبكر

شارك
Latest news on WhatsApp أجدد الأخبار على واتساب

 

تفتح كندا صفحة اقتصادية جديدة مع الإعلان عن إنشاء Canada Strong Fund، أول صندوق سيادي وطني على المستوى الفيدرالي، لكن الفكرة تدخل منذ يومها الأول في اختبار حساس: هل سيكون الصندوق أداة لبناء ثروة طويلة الأجل للكنديين، أم يتحول مع الوقت إلى ذراع سياسية لتمويل مشروعات كبرى لا تُقاس عوائدها بوضوح؟

 

أعلن رئيس الوزراء مارك كارني الصندوق في 27 أبريل 2026، مع مساهمة اتحادية أولية قدرها 25 مليار دولار كندي، على أن يستثمر إلى جانب القطاع الخاص في مشروعات وشركات كندية مرتبطة بالطاقة النظيفة والتقليدية، والمعادن الحرجة، والزراعة، والبنية التحتية. وتقول الحكومة إن الهدف هو دعم “مشروعات بناء الأمة”، مثل الموانئ والمناجم وممرات التجارة والطاقة، مع منح الكنديين فرصة للاستفادة من العوائد المالية لهذه الاستثمارات.

 

لكن الجدل لا يتعلق بالفكرة من حيث المبدأ، بل بطريقة تنفيذها. فالصناديق السيادية الناجحة عالميًا قامت غالبًا على فائض مالي واضح أو عوائد موارد طبيعية ضخمة. في المقابل، تأتي التجربة الكندية في وقت لا تنطلق فيه أوتاوا من فائض كبير، بل من سياق عجز واحتياجات إنفاق واسعة. وذكرت وكالة أسوشيتد برس أن الصناديق السيادية تُموَّل عادة من فوائض الميزانية، وهو ما لا يتوافر لكندا حاليًا، بينما أظهرت التحديثات المالية الأخيرة استمرار العجز الفيدرالي رغم تحسن بعض الإيرادات.

 

وهنا تظهر المقارنة مع النرويج وسنغافورة. فصندوق النرويج، المعروف رسميًا باسم Government Pension Fund Global، نشأ لإدارة عائدات النفط والغاز على المدى الطويل، ويستثمر في الخارج فقط حتى لا يسبب سخونة زائدة في الاقتصاد المحلي. أما سنغافورة، عبر GIC، فتدير جزءًا كبيرًا من الاحتياطيات المالية للدولة بهدف الحفاظ على القوة الشرائية الدولية للأموال على المدى الطويل. النموذج الكندي مختلف، لأنه يركز على الاستثمار داخل كندا وفي مشروعات استراتيجية محلية، لا على تنويع الثروة الوطنية خارج الاقتصاد المحلي.

 

وتقول الحكومة إن الصندوق سيعمل على أساس تجاري، وبشكل مستقل عن الحكومة، من خلال مؤسسة تاجية جديدة يديرها رئيس تنفيذي ومجلس إدارة مستقل ومؤهل. كما تعتزم أوتاوا إنشاء مكتب انتقالي للتشاور مع الأسواق والجهات التنظيمية قبل وضع التفاصيل النهائية خلال الأشهر المقبلة. هذه النقطة ستكون مركزية في تقييم جدية المشروع، لأن استقلال القرار الاستثماري هو الفاصل بين صندوق يستثمر بعقلية اقتصادية طويلة الأجل، وصندوق يتحول إلى أداة لتمرير وعود سياسية.

 

والسؤال الأهم للناس ليس فقط: أين سيستثمر الصندوق؟ بل: من سيقرر؟ وبأي معايير؟ وهل ستُنشر النتائج والعوائد والمخاطر بوضوح؟ فالمشروعات الكبرى في الطاقة والبنية التحتية والمعادن قد تكون ضرورية لأمن كندا الاقتصادي، خصوصًا مع التوتر التجاري مع الولايات المتحدة، لكنها أيضًا مشروعات مكلفة وطويلة الأجل، وقد تتأثر بالضغط السياسي، والانتخابات، ومصالح المقاطعات، وجماعات الضغط.

 

لذلك، قد تكون فكرة Canada Strong Fund خطوة طموحة إذا نجحت في جذب رأس المال الخاص، وتحويل موارد كندا وممراتها التجارية إلى عوائد مالية حقيقية للمواطنين. لكنها قد تصبح عبئًا إذا اختلطت الحسابات الاستثمارية بالحسابات السياسية، أو إذا جرى تسويق كل مشروع كبير باعتباره “استراتيجيًا” من دون اختبار تجاري صارم.

 

الاختبار المبكر للصندوق لن يكون في حجم المبلغ المعلن فقط، بل في قواعد الحوكمة: استقلال مجلس الإدارة، شفافية اختيار المشروعات، وضوح العائد المتوقع، حماية المال العام، وعدم استخدام الصندوق كبديل سهل للإنفاق الحكومي العادي. فإذا ضُبطت هذه القواعد، قد يصبح الصندوق أداة لبناء ثروة وطنية. وإذا غابت، فقد يتحول إلى نسخة جديدة من أخطاء قديمة بثوب سيادي جديد.