النوراني.. أولى قصص آدم في العالم الموازي للأديب صابر الجنزوري
- بقلم Tahani Elghazaly
- نشر في
يسر تواصل نيوز أن تفتتح لقرائها سلسلة أدبية جديدة تنشر كل يوم خميس، من المجموعة القصصية آدم في العالم الموازي للأديب المصري صابر الجنزوري، في تجربة ثقافية نعتز بها ونقدمها تقديرا لصوت سردي له عالمه الخاص، ولغة تمزج بين الرمز والإنسان والأسئلة الكبرى.
ويعد صابر الجنزوري من الأسماء اللافتة في المشهد الأدبي المصري المعاصر. وهو عضو اتحاد كتاب مصر ونادي القصة المصري، وصدرت له مجموعات قصصية منها وجه آخر للعشق، وصديقتي ملحدة، والقادم من السماء. كما نال منحة تفرغ المجلس الأعلى للثقافة في مجال الرواية، إلى جانب حضوره المهني والعلمي الممتد في مجال الجيولوجيا والهندسة الجيوفيزيائية.
وفي أولى حلقات هذه السلسلة، نترككم مع قصة النوراني، وهي نص قصير مكثف، مشحون بالقلق والرمز، ويكشف منذ سطوره الأولى عن عالم سردي متوتر، تتجاور فيه الفوضى والخوف والخلاص.
النوراني
استيقظ مرعوبا على دوي مدفعية وطائرات تخترق صمت السماء. انفجارات تهز الأرض كزلزال مدمر. انتفض يتخبط يمينا ويسارا، ظلام دامس يحيط به. يجري في كل الاتجاهات، لا يرى، لا يسمع، ثم صاح مرعوبا:
- يا أولاد الأفاعي...
غادر المنزل، متخذا من درابزين السلم دليلا. جرى إلى حيث النفق الذي يتجمع فيه الهاربون من الموت. اخترق سمعه أنين وبكاء وصراخ، وأصوات تتداخل بعضها مع بعض، ولا أحد يرى ولا يسمع، كأنهم عميان وصم. الضوضاء هستيرية؛ أطفال رضع يبكون، نساء يولولن، رجال يرتعشون، شباب مغشي عليهم، فتيات يصرخن، وشيوخ يموتون. لم يبال به أحد وهو يبحث عن حائط يلذ به ليركن إليه. حاول، ما استطاع ألا يصطدم، في طريقه برأس شيخ أو يدهس طفلا. أوى أخيرا إلى الحائط، بكى، ضرب برأسه، وظل يردد:
- يا أولاد الأفاعي...
توقف الزمن داخل النفق، لكنه مات خارجه. ما عاد يرى ولا يسمع. صاح بأعلى صوته:
لماذا صمتم؟ ولماذا بكمتم؟ هذا ما جنت أيديكم! ردوا علي، هل مُتُّم؟ هل اختنقتم؟ لعنة الله عليكم.
أصابه الصمم كما أصابهم. كان صوته لا يخرج من جوفه، فقد أصابه البكم مثلما أصابهم.
أسند ظهره إلى الحائط وجلس فاردا الساقين. جفت دموعه. ثمة بقعة ضوء يراها تخترق الظلام، وسرعان ما نمت تلك البقعة، ليخرج منها رجل يقف وسطهم فجأة.
فرق الجميع أعينهم، أغمضوها، ثم فتحوها من جديد. الرجل طويل، عريض الصدر، والنور يشع من وجهه. لا شيء يكسو جسده غير قطعة من وبر جمل تستر عورته. هو ذاك الذي رأيته يصيح:
- يا أولاد الأفاعي
هو ذاك الرجل الذي بداخلي، ويتحدث بلساني؛ إنه أنا. لم ينطق الرجل النوراني بشيء، ولم يلبث إلا قليلا حتى ظهر رجال مدججون بالسلاح، فقبضوا عليه واصطحبوه خارج النفق. استسلم لهم، وترك وراءه نورا.
في ركن النفق البعيد، وفوق خشبة عريضة مرتفعة عن الأرض قليلا، ظهر لفيف من البشر. يبدو أن الجالس فوق كرسي ذهبي ملك، والسيدة التي تجلس على يمينه زوجته، وحوله الحاشية.
وراقصة جميلة تشعل غريزتهم وشهوة الجسد فيهم؛ ترقص وكؤوس الخمر تدور عليهم، فدارت رؤوسهم، وتساقطوا من النشوة. صفق الملك وقال للراقصة:
- تمني علي يا جميلة جميلات الزمان، كل ما تتمنينه يجاب، وإن طلبت عرشي، لأعطينه لك.
تدَللت وتعنَّجت، ثم مالت على صدر الملك وتآوهت، وقالت:
- رأس الرجل النوراني يا مولاي.
اغتم الملك وحزن، ثم أشار للسياف أن يأتي له برأس النوراني على طبق ذهبي.
كانت الغيرة قد أكلت جسده.
أخذ بيد زوجته متجها إلى مخدعها، وهي تضحك في صخب؛ فقد كانت الملكة أم الراقصة.
اختفى كل شيء، وعاد الظلام قويا، ثم ظهرت بقعة الضوء وتشكلت من جديد، فخرج منها النوراني.
عاد إليهم الوعي، فهتفوا وبكوا وغنوا. تكلم الرجل وهو يمد إليهم بيديه:
- تعالوا نخرج من النفق، فقد بزغ الفجر بالخارج.
خرج الجميع وراءه. ماتت السحب السوداء، وحلت مكانها سحب بيضاء وأشعة قرمزية. تهادى ضوء نهار آذار مقبلا ومختالا. كاد الجوع أن يقتلهم، لكن النوراني أنقذهم. أتى بالخبز والجراد والعسل. وما أن انتهوا من أكلهم حتى صاح فيهم:
- يا أولاد الأفاعي، توبوا فقد اقترب ملكوت السماوات.
قد يعجبك أيضًا
Authors
-
Tahani Elghazaly5352 المقالات
منشورات شائعة
-
الجمعية العراقية الكندية...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 8, 2026
-
رئيس الكونغرس العربي الكن...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 8, 2026
-
أحمد جابر يؤكد دعم المكتب...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 8, 2026
-
إغلاق جزء من الطريق 3 في...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 8, 2026
النشرة البريدية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على أحدث التحديثات!