الوضع المظلم
كندا تغادر المونديال أمام المغرب.. لكن كرة القدم الكندية تكسب ما هو أكبر من مباراة

كندا تغادر المونديال أمام المغرب.. لكن كرة القدم الكندية تكسب ما هو أكبر من مباراة

شارك
Latest news on WhatsApp أجدد الأخبار على واتساب

 

لم تكن خسارة كندا أمام المغرب في دور الـ16 من كأس العالم 2026 مجرد نهاية لمشوار منتخب مستضيف، بل لحظة كاشفة لمسافة طويلة قطعتها كرة القدم الكندية في سنوات قليلة. النتيجة كانت قاسية على أصحاب الأرض، بعدما فاز المغرب بثلاثة أهداف دون رد وتأهل إلى ربع النهائي، لكن ما حدث في البطولة أوسع من نتيجة مباراة واحدة.

 

خرجت كندا من البطولة، لكنها لم تخرج كما دخلت. فالمنتخب الذي اعتاد الحضور الهامشي في ذاكرة كأس العالم، أنهى هذه النسخة وقد سجل أول نقطة له في تاريخ البطولة، وحقق أول فوز، ثم أول انتصار في الأدوار الإقصائية. هذه ليست أرقاماً تجميلية، بل علامات انتقال من مرحلة المشاركة إلى مرحلة المنافسة، حتى لو ظل الطريق طويلاً أمام المنتخبات صاحبة الخبرة الأعمق.

 

وفي قراءة نشرتها وكالة رويترز بعد الخروج، بدا واضحاً أن النقاش داخل كندا لا يدور فقط حول ما خسره المنتخب أمام المغرب، بل حول ما كسبته اللعبة من جمهور جديد وثقة جديدة وحضور إعلامي لم يكن مألوفاً بهذه القوة. فقد استطاع فريق المدرب جيسي مارش أن يقدم صورة مختلفة لمنتخب كندا: فريق سريع، شجاع، لا يلعب بعقلية الضيف، حتى عندما اصطدم في النهاية بمنتخب مغربي أكثر نضجاً وتنظيماً وخبرة في التعامل مع مباريات الحسم.

 

الأهمية الحقيقية لهذه النسخة بالنسبة لكندا أنها أعادت تعريف العلاقة بين الجمهور والمنتخب. في بلد ما زالت الرياضات التقليدية، وعلى رأسها الهوكي، تحتل المساحة الأكبر من الوجدان الرياضي، جاء المونديال ليمنح كرة القدم مساحة أوسع في البيوت والشاشات والمدرجات. لم تعد كندا تتحدث عن استضافة بطولة عالمية فقط، بل عن مشروع رياضي يمكن أن يعيش بعد انتهاء البطولة.

 

هذا المعنى يزداد وضوحاً عند النظر إلى ما جرى خارج الملعب. فقد أعلنت Canada Soccer Foundation أن حملة “Canada Rising” تجاوزت 25 مليون دولار كندي من التبرعات والالتزامات، وهو هدف كان مقرراً الوصول إليه بحلول نهاية 2027. ووفقاً لبيان Canada Soccer، تستهدف الحملة دعم مشاركة الشباب، وتطوير المدربين، وبرامج الأداء العالي، وتحويل زخم كأس العالم إلى بنية مستدامة للعبة في كندا.

 

هذه النقطة تحديداً تمنح المشاركة الكندية معناها الأوسع. فالإرث لا يُقاس فقط بعدد الانتصارات، بل بقدرة البطولة على فتح أبواب جديدة للأطفال، والأندية، والمدربين، والمنتخبات الوطنية. وكندا تملك بالفعل قاعدة كبيرة يمكن البناء عليها، إذ تشير Canada Soccer إلى وجود نحو مليون مشارك مسجل في اللعبة داخل أكثر من 1200 نادٍ عبر المقاطعات والأقاليم الكندية.

 

نعم، الخسارة أمام المغرب أظهرت أن كندا لا تزال بحاجة إلى خبرة أكبر في مباريات الإقصاء، وإلى عمق فني يسمح لها بمجاراة المنتخبات التي تعرف كيف تُنهي المباريات الكبرى. لكنها أظهرت أيضاً أن المنتخب لم يعد مشروعاً عاطفياً مؤقتاً مرتبطاً بالاستضافة، بل نواة جادة لمستقبل كروي مختلف.

 

لذلك، يمكن القول إن كندا ودعت كأس العالم من الملعب، لكنها غادرت وهي تملك شيئاً أهم من ذكرى مباراة: جمهوراً أكثر ارتباطاً باللعبة، ومنظومة بدأت تتحرك، وتمويلاً متزايداً، وجيلاً منح الكرة الكندية لحظة ثقة طال انتظارها. الهزيمة أمام المغرب أنهت الرحلة التنافسية، لكنها لم تنه القصة. ربما بدأت القصة الحقيقية الآن.