الوضع المظلم
من أول مسجد إلى الهندسة ومجلس الشيوخ.. مسلمات صنعن محطات في تاريخ كندا

من أول مسجد إلى الهندسة ومجلس الشيوخ.. مسلمات صنعن محطات في تاريخ كندا

شارك
Latest news on WhatsApp أجدد الأخبار على واتساب

 

لم تقف النساء المسلمات على هامش قصة المسلمين في كندا. فمن امرأة ساعدت في بناء أول مسجد في البلاد قبل نحو تسعة عقود، إلى مهندسة كسرت حاجزًا تاريخيًا في الجامعات، وسيناتورة دخلت البرلمان من باب لم تسبِقها إليه مسلمة، وصانعة تلفزيون نقلت الأسرة المسلمة إلى ملايين المشاهدين، تركت نساء مسلمات بصمات يصعب فصلها عن التاريخ الكندي نفسه.

 

ومع احتفال كندا في أكتوبر بـشهر التاريخ الإسلامي الكندي، تفتح «تواصل» صفحات من هذا التاريخ عبر ست نساء اختلفت أصولهن ومجالاتهن، لكن جمع بينهن أن إنجازاتهن تجاوزت حدود الجالية وأصبحت جزءًا من مؤسسات البلاد وذاكرتها العامة.

 

هيلوي حمدون.. امرأة في قلب قصة أول مسجد في كندا

في إدمنتون ثلاثينيات القرن الماضي، كان المجتمع المسلم صغيرًا ويبحث عن مكان يستطيع فيه الحفاظ على دينه ونقل تقاليده إلى أبنائه.

 

وسط تلك الظروف، برز اسم هيلوي حمدون Hilwie Hamdon. ويوثق أرشيف مدينة إدمنتون أن النساء المسلمات المحليات، وفي مقدمتهن حمدون، قدن اقتراح إنشاء مسجد وحملة جمع الأموال اللازمة لبنائه.

 

وفي عام 1938 افتتح مسجد الرشيد، الذي تسجله المدينة باعتباره أول مسجد في كندا. ولم تكن حمدون تحمل منصبًا سياسيًا أو رسميًا، لكن أثر المبادرة التي شاركت في قيادتها بقي قائمًا بعد عقود من رحيل الجيل الأول الذي أسسه.

 

قصتها تجعل بداية هذه القائمة لافتة: إحدى أقدم المحطات المؤسسية في التاريخ الإسلامي الكندي كانت وراءها امرأة

.

ليلا فاهلمان.. سلسلة من «الأوائل» للمرأة المسلمة

ولدت ليلا فاهلمان Lila Fahlman في ساسكاتشوان عام 1924 لأب لبناني وأم إنجليزية أميركية اعتنقت الإسلام، ثم أصبحت معلمة ومرشدة وناشطة في العدالة الاجتماعية ومن أبرز الأصوات النسائية المسلمة في كندا.

وتوثق الحكومة الكندية أنها كانت أول امرأة في كندا تحصل على دكتوراه في علم النفس التربوي، وأول امرأة مسلمة تعمل في مجلس مدرسة عامة في كندا، وأول امرأة مسلمة في أميركا الشمالية تعمل مرشدة دينية في جامعة، وذلك في جامعة ألبرتا. كما أسست المجلس الكندي للنساء المسلمات Canadian Council of Muslim Women.

 

وفي عام 2002 حصلت على وسام كندا تقديرًا لإسهاماتها في المجتمع المسلم وعملها مع النساء اللاتي تعرضن للعنف، لتصبح أيضًا أول امرأة مسلمة تحصل على هذا التكريم، وفق الحكومة الفيدرالية.

 

هدى المراغي.. امرأة غيّرت موقع المرأة في الهندسة الكندية

في مجال كان حضوره النسائي محدودًا لعقود، صنعت المهندسة المصرية الكندية الدكتورة هدى المراغي Hoda ElMaraghy أكثر من محطة تاريخية.

 

حصلت على الدكتوراه في الهندسة الميكانيكية من جامعة ماكماستر، وتوثق جامعة وندسور أنها كانت أول امرأة كندية تحصل على دكتوراه في الهندسة الميكانيكية، قبل أن تصبح عام 1994 أول امرأة تتولى عمادة كلية هندسة في كندا.

 

لكن أثرها لم يقتصر على كونها «الأولى». ركزت أبحاثها على أنظمة التصنيع المرنة والذكية والقابلة لإعادة التشكيل، ونشرت أكثر من 500 ورقة علمية وأسهمت في تطوير حلول استخدمت في الصناعة، إلى جانب تدريب أجيال من الباحثين والمهندسين.

 

وحصلت المراغي على وسام أونتاريو ووسام كندا تقديرًا لإسهاماتها في الهندسة والتصنيع والبحث العلمي.

 

موبينا جعفر.. من اللجوء إلى مجلس الشيوخ

 

عندما اضطرت موبينا جعفر Mobina Jaffer وعائلتها إلى مغادرة أوغندا خلال حكم عيدي أمين، لم يكن الطريق الذي ينتظرها في كندا واضحًا.

 

لكنها أصبحت لاحقًا أول امرأة من أصول جنوب آسيوية تمارس القانون في كندا، ثم جاءت المحطة الأبرز عام 2001 عندما عُينت في مجلس الشيوخ.

 

وبذلك أصبحت أول سيناتورة مسلمة في تاريخ كندا، وأول سيناتورة مولودة في أفريقيا وأول سيناتورة من أصول جنوب آسيوية. وخلال 23 عامًا في مجلس الشيوخ ركز جانب مهم من عملها على حقوق الإنسان وحقوق النساء ومكافحة التمييز، كما ترأست لجانًا برلمانية وعملت مبعوثة خاصة لكندا للسلام في السودان.

 

قصتها لا تقدم فقط نموذجًا لامرأة لاجئة وصلت إلى مؤسسة من أعلى مؤسسات الدولة، بل تكشف أيضًا كيف أصبح تاريخ الهجرة واللجوء جزءًا من تاريخ القيادة النسائية في كندا.

 

زرقا نواز.. المرأة المسلمة تدخل غرفة المعيشة الكندية

لم تكن كل التحولات بحاجة إلى منصب رسمي.

فعندما قدمت الكاتبة وصانعة البرامج زرقا نواز Zarqa Nawaz مسلسل Little Mosque on the Prairie، دخلت شخصيات مسلمة إلى قلب مسلسل كوميدي كندي جماهيري، تتعامل مع الأسرة والجيران والعمل والإيمان واختلاف الأجيال باعتبارها تفاصيل حياة يومية وليست قضية استثنائية.

 

وقد أدرجت وزارة التراث الكندي نواز ضمن الشخصيات المسلمة الكندية الرائدة، إلى جانب علماء وفنانين وشخصيات عامة، ووصفتها بأنها مبتكرة المسلسل الناجح Little Mosque on the Prairie.

 

أهمية تجربتها لم تكن فقط في وجود شخصيات مسلمة على الشاشة، بل في أن امرأة مسلمة أصبحت هي صاحبة الحكاية التي تُروى عن مجتمعها.

 

سلمى لاخاني.. من فقدان الوطن إلى تمثيل التاج

ولدت سلمى لاخاني Salma Lakhani في أوغندا ونشأت داخل المجتمع الإسماعيلي المسلم. وفي عام 1972 تغيرت حياتها عندما أمر نظام عيدي أمين بطرد السكان من أصول آسيوية، وفقدت عائلتها منزلها وممتلكاتها، بينما عاشت لاخاني لفترة تجربة انعدام الجنسية.

 

استقرت لاحقًا في إدمنتون، وانخرطت لعقود في التعليم والعمل التطوعي وخدمة المجتمع.

ثم جاءت لحظة تاريخية في 26 أغسطس 2020، عندما أصبحت أول مسلمة تتولى منصب نائب حاكم في كندا بعد تعيينها نائبًا لحاكم ألبرتا. وكانت أيضًا أول شخصية من أصول جنوب آسيوية وأول مولودة في أفريقيا تتولى هذا المنصب.

 

ومن اللافت أن لاخاني نفسها استحضرت خلال شهر التاريخ الإسلامي أسماء من سبقوها، وبينها ليلا فاهلمان وهيلوي حمدون، مؤكدة أن وصولها إلى هذا المنصب لم يبدأ معها، وإنما جاء بعد أجيال من المسلمين الذين فتحوا الطريق قبلها.

 

ولماذا تحتفل كندا بأكتوبر أصلًا؟

وراء شهر التاريخ الإسلامي الكندي قصة برلمانية واضحة.

في 25 أكتوبر 2007 تقدم النائب الراحل Mauril Bélanger، ممثل دائرة Ottawa–Vanier، باقتراح في مجلس العموم لتخصيص شهر أكتوبر من كل عام لـCanadian Islamic History Month.

 

وحدد الاقتراح أربعة أسباب للاعتماد: إسهامات المسلمين الكنديين المهمة في المجتمع، والتنوع الثقافي داخل المجتمع المسلم، وأهمية أن يتعرف الكنديون إلى بعضهم بعضًا لتعزيز التماسك الاجتماعي، والأنشطة التي كانت تنظم في المجتمعات الكندية لزيادة فهم التاريخ الإسلامي.

 

وحصل Bélanger على موافقة جميع أعضاء مجلس العموم الحاضرين، واعتمد الاقتراح بالإجماع. ومنذ ذلك الوقت أصبح أكتوبر مناسبة سنوية للاعتراف بتاريخ المسلمين وثقافتهم وإسهاماتهم في كندا.

 

وفي أكتوبر 2026، تقول الحكومة الكندية إن قرابة مليوني مسلم من أكثر من 50 بلدًا أصبحوا اليوم جزءًا من المجتمع الكندي، وإن الشهر فرصة للاعتراف بإسهاماتهم في تاريخ البلاد وثقافتها ومجتمعها.

 

لكن عند النظر إلى أسماء مثل هيلوي حمدون وليلا فاهلمان وهدى المراغي وموبينا جعفر وزرقا نواز وسلمى لاخاني، يصبح لشهر أكتوبر معنى آخر أيضًا: إنه فرصة لاستعادة قصص نساء لم يكتفين بأن يصبحن جزءًا من كندا، بل أصبحن جزءًا من تاريخها.