الوضع المظلم
حين يُعاقَب على ما لا يستطيع التحكم فيه.. كيف تخذل المدرسة طفل فرط الحركة دون قصد؟

حين يُعاقَب على ما لا يستطيع التحكم فيه.. كيف تخذل المدرسة طفل فرط الحركة دون قصد؟

شارك
Latest news on WhatsApp أجدد الأخبار على واتساب

 

قد يجلس في آخر الصف، ينسى كتابه للمرة الثالثة، يقاطع المعلمة قبل أن تنتهي من السؤال، يبدأ الواجب ثم يتركه، أو ينهض من مقعده بينما بقية زملائه جالسون. ومع تكرار المشهد، قد تلتصق به أوصاف مثل «المهمل» و«المشاغب» و«غير المهتم». لكن وراء هذه التصرفات أحيانًا طفل يعاني اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة ADHD، ويواجه داخل المدرسة صعوبات حقيقية قد لا تعكس ذكاءه أو رغبته في التعلم.

 

وتشير المراكز الأميركية لمكافحة الأمراض والوقاية منها إلى أن الأطفال المصابين باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه يواجهون عوائق مدرسية أكثر من أقرانهم، وأن البيئة التعليمية نفسها تعد جزءًا مهمًا من خطة دعم الطفل. وهذا يعني أن نجاح الطالب لا يتوقف فقط على مطالبته بأن «يركز أكثر»، بل على الطريقة التي يقدم بها الصف التعليم والتنظيم والتغذية الراجعة.

 

عندما تُفسَّر الأعراض على أنها سوء سلوك

إحدى أكبر المشكلات تبدأ عندما تتحول أعراض الاضطراب إلى حكم على شخصية الطفل. فالنسيان قد يُفسر على أنه إهمال، وصعوبة انتظار الدور على أنها قلة احترام، وكثرة الحركة على أنها تحدٍ للمعلم، وعدم إنهاء الواجب على أنه كسل.

 

لكن الأطفال المصابين باضطراب فرط الحركة قد يواجهون صعوبة في الاحتفاظ بالمعلومات في الذاكرة العاملة، وتنظيم المهام، والانتقال من نشاط إلى آخر، ومتابعة التعليمات حتى نهايتها. ولهذا فإن معرفة الطفل لما يجب عليه فعله لا تعني دائمًا قدرته على تنفيذه في اللحظة المطلوبة بالطريقة نفسها التي يفعلها زملاؤه.

 

ولا يعني ذلك أن كل طفل كثير الحركة أو قليل التركيز مصاب بـADHD؛ فتشخيص الاضطراب يحتاج إلى تقييم متخصص، كما أن بعض السلوكيات قد تكون لها أسباب أخرى. المشكلة تبدأ حين يصبح العقاب هو الاستجابة الوحيدة لطفل لديه بالفعل احتياجات مختلفة داخل البيئة الدراسية.

 

«اجلس مكانك» قد تكون أصعب مما تبدو

الصف التقليدي غالبًا ما يكافئ القدرة على الجلوس لفترات طويلة، والاستماع دون حركة، وتذكر سلسلة من التعليمات، وإنجاز مهمة طويلة من البداية إلى النهاية.

 

وهذه تحديدًا قد تكون من أكثر المهام إرهاقًا لبعض الأطفال المصابين بفرط الحركة ونقص الانتباه.

ولهذا يمكن أن تكون السماح بفترات قصيرة للحركة، أو الوقوف أثناء جزء من العمل، أو تقسيم الواجب الكبير إلى أجزاء صغيرة، أو وضع الطفل في مكان أقل عرضة للمشتتات وسائل بسيطة لتحسين قدرته على المشاركة، بدل تحويل حاجته للحركة إلى صراع يومي مع المعلم.

 

الطفل الذي يسمع ما أخطأ فيه طوال اليوم

هناك خسارة أخرى أقل وضوحًا تحدث عندما يصبح معظم ما يسمعه الطفل في المدرسة تصحيحًا لسلوكه:

"ركز"

"لا تقاطع".

«اجلس».

"أين واجبك؟".

"كم مرة قلت لك؟".

ومع مرور الوقت، قد يصبح الطفل معروفًا داخل الصف بأخطائه أكثر من نقاط قوته.

ويشير متخصصون في دعم الأطفال المصابين بـADHD إلى أهمية التغذية الراجعة الإيجابية السريعة والواضحة، لأن بعض هؤلاء الأطفال يستجيبون بصورة أفضل عندما يعرفون مباشرة ما فعلوه بشكل صحيح وما المطلوب منهم تحديدًا، بدل انتظار مكافأة بعيدة أو تلقي سلسلة متواصلة من الملاحظات السلبية.

 

التعليمات الطويلة قد تضيع قبل أن تبدأ المهمة

قد تقول المعلمة: «افتحوا الكتاب على الصفحة 42، اقرأوا الفقرة، أجيبوا عن الأسئلة الثلاثة، ثم ضعوا الأوراق في الملف.

بالنسبة إلى بعض الأطفال، تكون أجزاء من هذه التعليمات قد اختفت من الذاكرة قبل الوصول إلى الخطوة الأخيرة.

وهنا قد يبدو الطالب وكأنه لم يستمع، بينما يمكن أن يساعده تقسيم التعليمات إلى خطوات، وكتابتها أمامه، والتأكد سريعًا من فهمه لها قبل بدء المهمة. كما يساعد وجود روتين واضح ومعروف للدرس على تقليل الجهد الذي يبذله الطفل لمعرفة «ماذا سيحدث الآن؟»، وترك مساحة أكبر من انتباهه للتعلم نفسه.

 

المقعد الأخير ليس دائمًا الحل

إبعاد الطفل عن بقية الصف حتى «لا يزعج الآخرين» قد يهدئ الفصل مؤقتًا، لكنه ليس بالضرورة أفضل حل تعليمي.

فالموقع المناسب يعتمد على مصادر التشتيت داخل الغرفة، وقد يستفيد بعض الأطفال من الجلوس بالقرب من المعلم وبعيدًا عن الباب أو النافذة أو أكثر مناطق الصف ازدحامًا. كما يمكن للجلوس بجوار طالب منظم وهادئ أن يساعد في تقليل المشتتات ودعم الروتين اليومي.

 

المشكلة ليست انخفاض التوقعات

دعم الطفل لا يعني إعفاءه من التعلم أو افتراض أنه غير قادر على النجاح.

الفكرة هي تغيير الطريق إلى الهدف عندما تكون الطريقة التقليدية نفسها جزءًا من المشكلة.

وقد تشمل التسهيلات وقتًا إضافيًا في بعض الاختبارات، وفترات حركة، وتقليل المشتتات، والمساعدة في التنظيم، وتقسيم المهمات، واستخدام وسائل تقنية أو بصرية. لكن الأكاديمية الأميركية لطب الأطفال تفرق أيضًا بين «التسهيلات» التي تزيل العوائق وبين التدخلات التي تساعد الطفل على تطوير المهارات الأكاديمية والتنظيمية والسلوكية التي يحتاج إليها على المدى الطويل.

 

المدرسة والأسرة في فريق واحد

 

من أكثر الأخطاء إنهاكًا للطفل أن تتحول العلاقة بين البيت والمدرسة إلى تبادل يومي للشكاوى: المدرسة تبلغ الأسرة بما فعله الطفل، والأسرة تعاقبه مرة أخرى في المنزل.

الأكثر فاعلية هو أن يتفق الطرفان على أهداف محددة يمكن قياسها، مثل إكمال مهمتين داخل الصف، أو تسجيل الواجب بصورة صحيحة، أو انتظار الدور في عدد معين من المرات، مع تقديم تغذية راجعة منتظمة ومكافأة التقدم بدل انتظار الكمال. وتؤكد الإرشادات الطبية أهمية الشراكة بين الأسرة والمدرسة في إدارة اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه.

 

الطفل الذي لا يلفت الانتباه قد يكون الأكثر نسيانًا

وليس كل طفل مصاب بـADHD هو الطفل الذي يركض داخل الصف أو يتحدث باستمرار.

فبعض الأطفال تظهر لديهم أعراض يغلب عليها نقص الانتباه: ينظرون من النافذة، يفقدون أغراضهم، يتأخرون في البدء، ينسون التعليمات أو يبدو أنهم «يحلمون» أثناء الشرح.

 

هؤلاء قد يكونون أكثر عرضة لأن يمروا دون أن يلاحظ أحد حجم معاناتهم، لأنهم لا يعطلون الفصل بالطريقة نفسها التي يفعلها الطفل كثير الحركة. ولذلك يصبح الانتباه إلى الأداء الأكاديمي والتنظيم والتركيز مهمًا بقدر الانتباه إلى السلوك الظاهر.

 

وفي النهاية، قد لا يحتاج الطفل إلى معلم يتساهل معه بقدر حاجته إلى معلم يفهم لماذا يفعل ما يفعله.

فالفارق أحيانًا بين طفل يدخل المدرسة كل صباح مقتنعًا بأنه «سيئ» وطفل يبدأ في اكتشاف قدراته، ليس تغيير الطفل نفسه؛ وإنما تغيير الطريقة التي يقرأ بها الكبار سلوكه، والطريقة التي يُبنى بها الصف من حوله.