من بيروت إلى قمة العلم في كندا.. منى نمر كسرت حاجزًا أمام الفتيات ثم أصبحت مستشارة كندا العلمية
- بقلم Tahani Elghazaly
- نشر في
ربما يصعب، وأنت تنظر اليوم إلى الدكتورة منى نمر في موقع المستشارة العلمية الرئيسية لكندا، أن تتخيل أن علاقتها بالعلم بدأت أصلًا بمعركة من أجل الحق في دراسته.
قبل المختبرات، وقبل أبحاث القلب، وقبل جامعة ماكغيل وجامعة أوتاوا، وقبل أن تصبح المرأة التي تستعين بها الحكومة الكندية بالمشورة العلمية، كانت هناك فتاة في مدرسة للبنات في بيروت اكتشفت أن الطريق الذي تريد أن تسلكه غير موجود.
مدرستها لم تكن تقدم مسارًا متقدمًا في العلوم للفتيات.
وبالنسبة إلى منى، لم يكن الأمر مجرد مادة ناقصة في جدول الدراسة. كان يعني، ببساطة، أن أحدًا قرر مسبقًا ما الذي يمكن للفتاة أن تطمح إليه وما الذي لا ينبغي لها أن تفكر فيه.
فلم تقبل.
اجتمعت مع زميلاتها، وطالبن المدرسة بفتح المسار العلمي. ونجح ما وصفته نمر لاحقًا بأنه أشبه بـ«تمرد صغير». فتحت المدرسة البرنامج، وكانت منى واحدة من 17 فتاة دخلنه.
لم تكن تعرف وقتها إلى أين سيأخذها ذلك الباب الذي ساهمت بنفسها في فتحه. لكنها كانت قد تعلمت مبكرًا درسًا سيعود معها مرات كثيرة: حين لا يكون الطريق موجودًا، قد يكون عليك أحيانًا أن تصنعه.
من بيروت.. بدأت الحكاية
نشأت نمر في لبنان، الابنة الكبرى بين ثلاثة أبناء، في بيت بعيد عن عالم الامتيازات الأكاديمية؛ أحد والديها كان يعمل في التعليم، والآخر ميكانيكيًا لصحف بيروت.
وكانت بيروت التي عرفتها مدينة صاخبة، متعددة اللغات والثقافات. تتحدث العربية والفرنسية، ثم بدأت تعمل على الإنجليزية وهي لا تزال تدرس في لبنان.
لكن المنطقة كانت تدخل زمنًا آخر، ومع الحرب الأهلية اللبنانية لم يعد المستقبل يسير في الخط المستقيم الذي قد تتخيله فتاة في بداية حياتها. غادرت إلى الولايات المتحدة، حيث كان لها أقارب، وانتقلت إلى جامعة ولاية ويتشيتا في كانساس.
الانتقال لم يكن مجرد سفر للدراسة.
من بيروت المزدحمة بالحياة واللغات إلى ويتشيتا، وجدت الشابة نفسها أمام اختلاف ثقافي كبير. وقد وصفت مصادر تناولت سيرتها التجربة بأنها كانت بمثابة صدمة ثقافية.
ومع ذلك لم تعد إلى الخلف. أكملت دراستها في الكيمياء، وفي عام 1977 حصلت على شهادتها الجامعية.
ثم حدث شيء صغير من تلك الأشياء التي تبدو عابرة لحظتها، قبل أن نكتشف لاحقًا أنها غيرت حياة كاملة.
كانت أمامها فرصة لمتابعة الدكتوراه في جامعة ميشيغان. لكنها قامت برحلة قصيرة مع أصدقاء إلى مونتريال.
أحبت المدينة.
وبدل المسار الذي بدا مرسومًا لها، اختارت مونتريال والتحقت بجامعة ماكغيل.
مرة أخرى، لم تمشِ منى نمر في الطريق المتوقع؛ اختارت المكان الذي شعرت أنها تستطيع أن تنتمي إليه.
وهناك حصلت على الدكتوراه في الكيمياء، ثم اتجهت إلى البيولوجيا الجزيئية، وبدأ العلم يأخذها تدريجيًا نحو العضو الذي سيصبح محور جزء كبير من حياتها البحثية: القلب.
عالمة تبحث في القلب.. وتبحث أيضًا عن إجابة تخص حياتها
تقدمت مسيرة نمر العلمية، لكن النجاح المهني لم يُلغِ الأسئلة التي تواجه كثيرًا من النساء في العلم.
وفي كلمة ألقتها بعد سنوات عن النساء في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، كشفت نمر جانبًا شخصيًا بالغ الدلالة من رحلتها.
أثناء دراستها للدكتوراه في قسم الكيمياء بجامعة ماكغيل، كان القسم يضم نحو 40 أستاذًا، من دون أستاذة واحدة. وتقول إنها لا تتذكر أنها كانت ترى نساء يقدمن المحاضرات العلمية في الاجتماعات التي حضرتها آنذاك.
كانت تعرف أنها تريد أن تصبح باحثة. لكن صورة المرأة التي تبني مسيرة علمية كبيرة، وتعيش في الوقت نفسه حياة أسرية، لم تكن واضحة أمامها.
إلى أن التقت عالمة الأحياء الفرنسية البارزة نيكول لو دواران خلال فترة تدريبها لما بعد الدكتوراه في مونتريال.
رأت أمامها عالمة ناجحة تتحدث بشغف عن العلم، وبالعاطفة نفسها عن أبنائها وأحفادها.
وتقول نمر إن هذا اللقاء غيّر شيئًا بداخلها؛ فللمرة الأولى رأت أمامها دليلًا حيًا على أن النجاح العلمي والأسرة ليسا خيارين متعارضين بالنسبة إلى المرأة.
قد يبدو اللقاء تفصيلًا صغيرًا في سيرة عالمة كبيرة. لكنه ربما يفسر لماذا تتحدث نمر حتى اليوم بهذا الإصرار عن أهمية النماذج التي تراها الفتيات أمامهن.
والأجمل أن الزمن سيدير الدائرة كاملة.
بعد نحو ثلاثين عامًا، أصبحت شابات أخريات يقلن لمنى نمر نفسها إنهن ينظرن إليها باعتبارها نموذجًا يُحتذى.
هي التي احتاجت يومًا إلى أن ترى امرأة أمامها كي تتأكد أن الطريق ممكن، أصبحت هي المرأة التي تجعل أخريات يصدقن الشيء نفسه.
عندما أصبح القلب مشروع عمر
وبين هذين الجانبين من حياتها، كان هناك عمل علمي طويل لا تختصره الألقاب.
تخصصت نمر في علم القلب الجزيئي، وركزت أبحاثها على الآليات الجينية والجزيئية التي تتحكم في نمو القلب ووظائفه.
عملت في جامعة مونتريال ومعهد الأبحاث السريرية في مونتريال، ثم انتقلت إلى جامعة أوتاوا، حيث أدارت مختبر الوراثة الجزيئية وتجديد القلب، قبل أن تتولى منصب نائبة رئيس الجامعة للأبحاث.
وأسهمت أبحاثها في اكتشاف جينات ضرورية للتطور الطبيعي للقلب ووظائفه، وفي تطوير اختبارات مرتبطة بتشخيص قصور القلب وفهم العوامل الجينية وراء بعض عيوب القلب الخِلقية.
وخلف الأرقام الأكاديمية قصة أخرى لا تقل أهمية: أكثر من 200 ورقة علمية، وأكثر من 100 طالب وباحث أشرفت على تدريبهم من دول مختلفة.
وهنا يصبح رقم «100 باحث» أكثر من بند في سيرة ذاتية.
لأن المرأة التي بدأت رحلتها بالبحث عن مكان لفتاة داخل فصل العلوم، أصبحت لاحقًا جزءًا من صناعة أجيال جديدة تدخل المختبر من بعدها.
من المختبر إلى طاولة القرار
في سبتمبر 2017، أخذت رحلتها انعطافة جديدة.
عُينت منى نمر المستشارة العلمية الرئيسية لكندا.
لم تعد مهمتها في هذه المرحلة البحث عن إجابة داخل خلية أو جين فقط، بل العمل على أن تجد الأدلة العلمية طريقها إلى القرارات التي تتخذها الدولة.
يتولى مكتب المستشارة العلمية تقديم المشورة بشأن إدماج التحليل والأدلة العلمية في عملية صنع السياسات، ودعم جودة البحث داخل الحكومة الفيدرالية، وتعزيز النزاهة العلمية وإتاحة الأبحاث الحكومية للجمهور.
وأعيد تعيين نمر للمنصب في أعوام 2020 و2022، ثم لولاية رابعة في 2024. وما زالت تشغل المنصب حتى اليوم.
خلال سنوات عملها، لم تبتعد كثيرًا عن الأسئلة التي رافقتها منذ البداية: من يملك فرصة الدخول؟ ومن يبقى خارج الباب؟ وكيف يمكن للمؤسسات أن تتغير؟
أسهمت في إنشاء شبكة متعددة التخصصات للمستشارين العلميين داخل الحكومة الفيدرالية، وفي تأسيس مجلس شبابي كندي للمساهمة بآراء قائمة على الأدلة في القضايا العلمية التي تمس الشباب، كما دعمت سياسات النزاهة العلمية والعلم المفتوح، وشاركت في هياكل المشورة العلمية التي صاحبت تعامل كندا مع جائحة كوفيد-19.
"فكّروا خارج الصندوق"
ربما لهذا السبب تبدو منى نمر مناسبة على نحو خاص لسلسلة "مهاجرات خارج الصندوق".
فهي نفسها استخدمت هذه العبارة تقريبًا حين تحدثت عن ضرورة تغيير الطريقة التي تختار بها المؤسسات قياداتها العلمية.
قالت إن النساء وأفراد المجموعات الأقل تمثيلًا غالبًا ما تكون مساراتهم المهنية غير تقليدية، وإن المؤسسات لن تغير شكل القيادة إذا ظلت تبحث دائمًا عن الأشخاص الذين ساروا في الطريق نفسه وشغلوا المناصب نفسها.
ودعت إلى أن ننظر إلى الإنجاز، لا إلى القالب الذي يفترض أن تمر منه كل سيرة مهنية.
وقد تكون تلك الفكرة أفضل مفتاح لقراءة قصتها هي أيضًا.
فمسارها لم يبدأ من مؤسسة علمية عريقة تعدها لمستقبل مضمون، بل من مدرسة لم تكن ترى أصلًا ضرورة توفير العلوم المتقدمة للبنات.
ولم يسر في خط مستقيم: بيروت، ثم ويتشيتا، ثم رحلة قصيرة قلبت الوجهة إلى مونتريال، ثم الكيمياء، والبيولوجيا الجزيئية، وأبحاث القلب، والجامعة، والإدارة الأكاديمية، وصولًا إلى قلب منظومة المشورة العلمية في كندا.
وفي مكان ما بين كل هذه المحطات، بقيت الفتاة التي رفضت أول باب مغلق حاضرة.
ربما لهذا لا تبدو قصة منى نمر قصة نجاح مهاجرة فقط، ولا حتى قصة عالمة وصلت إلى منصب رفيع.
إنها قصة امرأة عرفت، في مراحل مختلفة من حياتها، ماذا يعني ألا ترى الطريق أمامك بوضوح: مرة لأن المدرسة لم توفره، ومرة لأن النساء العالمات لم يكنَّ حاضرات أمام عينيها، ومرة لأن الهجرة وضعتها في بلد وثقافة جديدين.
وفي كل مرة، واصلت السير.
حتى أصبحت هي نفسها طريقًا مرئيًا لنساء أخريات.
قد يعجبك أيضًا
Authors
-
Tahani Elghazaly5041 المقالات
منشورات شائعة
-
ما وراء البروتوكول | مريم...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 21, 2026
-
ابتداءً من غدٍ.. دورة مجا...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 20, 2026
-
Shopify تصبح أول شريك للت...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 20, 2026
-
كندا تصف اتفاق غرينلاند ب...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 20, 2026
النشرة البريدية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على أحدث التحديثات!