الوضع المظلم
"ندور على عريس أو عروسة فين".. الخطبة في المهجر بين شروط الأهل وواقع كندا

"ندور على عريس أو عروسة فين".. الخطبة في المهجر بين شروط الأهل وواقع كندا

شارك
Latest news on WhatsApp أجدد الأخبار على واتساب

 

تجاوزت ابنة «س. س.» الثلاثين، لكن والدتها لا تعرف كيف تفتح أمامها بابًا طبيعيًا للتعارف على شباب مناسبين للزواج. فالأسرة تعيش في كندا بعيدًا عن شبكة الأقارب والجيران والمعارف التي كانت تساعد العائلات في البلد الأم على تقديم الأبناء والبنات إلى بعضهم بعضًا.

 

تقول الأم: "بنتي جميلة ومتعلمة، ولديها وظيفة مرموقة، لكنني لا أعرف كيف أقرّبها من أسر لديها شباب يبحثون عن الزواج. نحن نعرف عددًا محدودًا من العائلات، ولا أريد أن أحرج ابنتي أو أشعرها بأنني أعرضها على الناس".

 

لم تكن المشكلة فقط في صعوبة العثور على عريس. فعندما رشحت إحدى صديقاتها شابًا يتمتع بدخل مرتفع، شعرت الأم في البداية بأن بابًا مناسبًا قد فُتح، لكنها اكتشفت أن التركيز كله كان منصبًا على راتبه، بينما رأت ابنتها أنه لا يناسبها فكريًا أو تعليميًا.

 

تضيف: «صديقتي كانت تتحدث طوال الوقت عن دخله المرتفع، لكن ابنتي لم ترَ بينهما توافقًا. شعرتُ بالجرح، وشعرت هي أيضًا بأن كل ما تملكه من علم وشخصية اختُصر في سؤال واحد: لماذا ترفضين رجلًا يكسب مالًا كثيرًا؟".

 

قصة «س. س.» تفتح واحدًا من أكثر الأسئلة حساسية لدى الأسر العربية في المهجر: هل أصبح العثور على شريك حياة مناسب أصعب، أم أن بعض الأسر ما زالت تستخدم معايير البلد الأم داخل مجتمع تغيرت فيه طريقة التعارف والعمل والاستقلال واتخاذ القرار؟

 

في كندا، لا توجد غالبًا الدائرة الاجتماعية الواسعة التي كانت تسمح للأم أو الخالة أو الجارة بأن تقول بثقة: «نعرف عائلة لديها شاب مناسب». تتوزع الأسر بين المدن والمقاطعات، ويعمل الأبناء لساعات طويلة، وقد يكوّنون علاقاتهم الاجتماعية بعيدًا عن محيط الوالدين. وفي الوقت نفسه، لا تثق أسر كثيرة في تطبيقات التعارف، ولا تعرف كيف تدخل أبناءها إلى دوائر اجتماعية جديدة من دون أن يتحول الأمر إلى تدخل أو إحراج.

 

هذا الصدام ظهر بوضوح في تجربة «أم فارس». فقد اختار ابنها فتاة تعرّف إليها عبر أحد مواقع التعارف، ثم فوجئت الأسرة بأنه قدّم لها خاتم الخطوبة داخل مقهى، قبل عقد جلسة رسمية بين العائلتين.

 

تقول: «شعرت بخيبة أمل شديدة. لم يكن اعتراضي على الفتاة، فهي من جنسيتنا، لكنني فوجئت بأن ابني ذهب ووضع الخاتم في يدها وانتهى الأمر. عندما حاولنا أن نعقد جلسة بين الأسرتين ونحدد الشبكة والمهر والترتيبات، قال لنا إن هذه الشروط لا تهمه ولا تهمها"

.

اكتمل الزواج من دون اتباع أي من الطقوس التي كانت «أم فارس» تراها جزءًا أساسيًا من احترام العائلتين. لم تكن خسارتها، من وجهة نظرها، مادية؛ فلم تكن تتمسك بقيمة محددة للمهر أو الشبكة بقدر شعورها بأن دور الأسرة قد اختفى فجأة من واحد من أهم القرارات في حياة ابنها.

 

لكن الابن رأى المسألة بطريقة مختلفة. بالنسبة إليه، كانت الخطوبة اتفاقًا بين شخصين بالغين، وكان الخاتم تعبيرًا عن الاختيار، لا إعلانًا للحرب على العادات. أما الجلسات الخاصة بالمهر والشبكة، فلم يرَ أنها تضيف ضمانًا حقيقيًا لزواجه.

 

بين الموقفين توجد مشكلة أعمق من الخاتم والمهر: كثير من الآباء يعتقدون أن الأبناء تخلوا عن «الأصول»، بينما يرى الأبناء أنهم تخلوا فقط عن إجراءات لا تناسب حياتهم. وعندما لا يشرح كل طرف ما الذي تمثله هذه الطقوس بالنسبة إليه، يتحول الاختلاف البسيط إلى جرح عائلي طويل.

 

فجلسة التعارف بين الأسرتين قد تكون مهمة؛ لأنها تمنح كل طرف فرصة لفهم البيئة التي سيدخل إليها، لكنها لا ينبغي أن تصبح مفاوضات تجارية حول سعر العروس. والمهر يمكن أن يبقى حقًا واتفاقًا واضحًا، لكن قيمته لا ينبغي أن تُستخدم لقياس مكانة الفتاة. كما أن تقديم الخاتم بصورة خاصة ليس خطأ في ذاته، لكن إعلان الخطبة قبل إبلاغ الأسرتين قد يترك لدى الوالدين شعورًا بالإقصاء.

 

أما «إلهام»، فقد بدأت مخاوفها بعد الخطوبة، عندما طلب خطيب ابنتها منها المساهمة بمبلغ 4500 دولار لإصلاح سيارته، بحجة أنها تستخدم السيارة معه وأنها أصبحت شريكة حياته المستقبلية.

 

تقول الأم: «الصدمة لم تكن في الطلب وحده، بل إن والدته اتصلت بابنتي تعاتبها لأنها لم تساعده. قالت لها: أنتِ خطيبته، لماذا لا تقفين معه؟ شعرت وقتها بأن مفاهيم الناس في الغربة تغيرت، وأن كلمة خطيبة يمكن أن تستخدم للضغط على البنت ماليًا قبل أن يكون لها أي حق أو ضمان".

.

القضية هنا ليست ما إذا كان من المقبول أن تساعد المرأة الرجل ماليًا. فقد يختار شريكان متفاهمان تقاسم بعض النفقات، ولا توجد قاعدة واحدة تصلح للجميع. المشكلة تبدأ عندما يتحول الطلب إلى اختبار للحب، أو يمارس أحد الطرفين وأسرته ضغطًا عاطفيًا على الطرف الآخر لدفع مبلغ كبير.

 

الخطوبة وعد بالزواج وليست حسابًا مصرفيًا مشتركًا. ومن العلامات التي تستدعي التوقف أن يطلب أحد الطرفين أموالًا متكررة، أو يحمّل خطيبه مسؤولية ديونه ومشكلاته، أو يشعره بأن الرفض دليل على البخل أو عدم الحب.

 

قبل الزواج، يحتاج الطرفان إلى حديث صريح لا يقتصر على قيمة المهر وتكاليف الحفل، بل يشمل الديون، والقروض، والبطاقات الائتمانية، وعادات الإنفاق، وخطة السكن، وتقاسم المصروفات، وما إذا كانت الأموال ستظل منفصلة أم ستوضع في حساب مشترك. السؤال الحقيقي ليس: «من سيدفع؟»، بل: «هل توجد شفافية واحترام وحدود واضحة؟".

 

وعلى الجانب الآخر، يواجه «أبو صابر» مشكلة مختلفة. فابنه، كما يصفه، شاب مكافح يتمتع بصفات جيدة، ويملك شركة لإزالة الثلوج خلال الشتاء، ويعمل في تنسيق الحدائق خلال الصيف. يحقق دخلًا جيدًا، لكن وصف عمله بأنه «موسمي» يدفع بعض العائلات إلى رفضه قبل التعرف عليه

.

يقول الأب: «كلما تقدمنا إلى عائلة، يتوقفون عند كلمة العمل الموسمي. لا يسألون كم يكسب، أو منذ متى يدير شركته، أو هل يدفع ضرائبه ولديه زبائن دائمون. يريدون وظيفة حكومية أو راتبًا ينزل كل أسبوعين، وكأن صاحب المشروع لا يملك مستقبلًا".

 

توضح هذه القصة أن بعض شروط الزواج الموروثة لا تزال تربط الأمان بالوظيفة التقليدية، بينما يتضمن الاقتصاد الكندي أعمالًا موسمية ومهنًا حرة وشركات صغيرة قد تحقق دخلًا أعلى من بعض الوظائف الدائمة.

 

لكن رفض الحكم السريع لا يعني تجاهل الأمان المالي. فبدل سؤال الشاب عن اسم وظيفته فقط، يمكن للأسرة أن تسأل عن متوسط دخله السنوي، وإقراراته الضريبية، وديونه، ومدخراته، واستمرارية عمله، وخطته عند تراجع الموسم، وقدرته على إدارة النفقات. الوظيفة ذات اللقب اللامع ليست ضمانًا، كما أن العمل الموسمي ليس دليلًا على عدم الاستقرار إذا كان صاحبه يدير مشروعه بصورة منظمة.

 

التجربة الأكثر إيلامًا كانت من نصيب «أم حنان». فقد خطبت ابنتها شابًا من خلفية غير عربية، واستعدت الأسرتان للزفاف، ولم يكن يفصلهم عنه سوى أسبوعين عندما قدم العريس اتفاقًا مطولًا لما قبل الزواج، أو ما يعرف بـ"البرينب|."

 

تقول الأم: «جاء بدفتر من صفحات كثيرة، وكل ما قرأناه فيه كان يحفظ حقوقه ويمنع ابنتي من أي حق تقريبًا. لم نكن ضد أن يحمي الإنسان ممتلكاته، لكن لماذا انتظر حتى بقي أسبوعان على الفرح؟ وضعنا في موقف شديد الإحراج: إما أن توقع ابنتي تحت ضغط الوقت، أو نلغي زواجًا انتهينا من كل ترتيباته".

 

انتهت الخطبة وأُلغي الزفاف. ولم يكن سبب الانفصال، بحسب الأم، مجرد وجود الاتفاق، بل توقيته وشعور الأسرة بأنه كُتب لحماية طرف واحد، وأن ابنتها لم تحصل على وقت كافٍ لفهم بنوده أو التفاوض بشأنها.

 

قانونيًا، يحتاج هذا الجزء إلى توضيح مهم. فالقانون في أونتاريو لا ينص ببساطة على أن كل ما يملكه الزوجان يُقسم إلى نصفين عند الطلاق. القاعدة العامة تعتمد على حساب صافي الممتلكات العائلية لكل زوج، ثم يحصل الطرف الأقل في صافي ممتلكاته عادة على نصف الفرق بين القيمتين. ويشمل الحساب في العادة نمو قيمة الممتلكات خلال الزواج، مع قواعد خاصة بمنزل الزوجية وبعض الاستثناءات.

 

ويحق للمقبلين على الزواج إبرام عقد يحدد التعامل مع الممتلكات والديون والنفقة الزوجية عند الانفصال، لكنه لا يستطيع حسم قضايا الأطفال مستقبلًا، ولا إلغاء الحق المتساوي للزوجين في الإقامة بمنزل الزوجية عقب الانفصال.

 

إذن، اتفاق ما قبل الزواج ليس في ذاته إهانة أو دليلًا على سوء النية، وقد يكون وسيلة مفيدة لحماية الطرفين، خصوصًا عند وجود منزل أو شركة أو ميراث أو أبناء من زواج سابق. لكن الاتفاق العادل لا يُقدَّم قبل الزفاف بأيام باعتباره أمرًا واقعًا.

 

من الأفضل أن يحصل كل طرف على محام مستقل، وأن يكشف الطرفان بصورة كاملة عن ممتلكاتهما وديونهما، وأن يتاح لهما وقت كافٍ للفهم والتفاوض. ويجيز قانون الأسرة في أونتاريو للمحكمة، بناء على طلب أحد الأطراف، إلغاء الاتفاق كله أو بعضه إذا أخفى طرف ممتلكات أو ديونًا مهمة، أو لم يفهم أحد الطرفين طبيعة الاتفاق ونتائجه، أو توافرت أسباب أخرى معترف بها في قانون العقود.

 

ولا يعني ذلك أن كل اتفاق قُدم قرب موعد الزفاف يصبح باطلًا تلقائيًا، لكن ضغط الوقت وغياب المشورة القانونية المستقلة قد يثيران أسئلة جدية حول عدالة طريقة توقيعه.

 

تكشف هذه القصص أن أزمة الزواج في المهجر ليست نقصًا في الشباب أو الفتيات المناسبين فقط. إنها أزمة شبكة اجتماعية، واختلاف معايير، وتباعد بين توقعات الآباء والأبناء، وخلط أحيانًا بين حماية الحقوق وفرض السيطرة.

 

فالأسر تحتاج إلى الاحتفاظ بما يحمي أبناءها فعلًا: السؤال عن الأخلاق، والتأكد من المعلومات، والوضوح المالي، والتعارف الكافي، واحترام العائلتين، وعدم استعجال الزواج تحت ضغط العمر أو كلام الناس.

 

لكن بعض الشروط تحتاج إلى إعادة نظر: امتلاك منزل قبل الزواج في سوق مرتفع التكلفة، ورفض صاحب مشروع لأنه لا يتقاضى راتبًا تقليديًا، واختصار قيمة العريس في دخله، أو قيمة العروس في عمرها وجمالها، واشتراط التطابق في الجنسية والمدينة والمستوى الدراسي من دون النظر إلى التوافق النفسي والفكري.

 

كما أن مواقع التعارف ليست ضمانًا للفشل، مثلما لا تضمن ترشيحات الأقارب نجاح الزواج. الفرق يصنعه التحقق: لقاءات في أماكن آمنة، وعدم تحويل العلاقة بسرعة إلى التزام، والتأكد من الهوية والعمل والحالة الاجتماعية، ومناقشة المال والقيم والأطفال والدين وعلاقة كل طرف بأسرته قبل اتخاذ القرار.

 

أما الأهل، فدورهم لا ينتهي في كندا، لكنه يتغير. فهم ليسوا أصحاب القرار بدلًا من أبنائهم البالغين، كما أنهم ليسوا مجرد ضيوف يُبلَّغون بالزفاف بعد اكتمال كل شيء. دورهم تقديم الخبرة، وطرح الأسئلة التي قد يتجاهلها الاندفاع العاطفي، وتنبيه الأبناء إلى المخاطر، من دون مصادرة حقهم في الاختيار.

 

وربما يكون السؤال الذي تحتاج الأسر العربية إلى مناقشته اليوم ليس فقط: أين نجد عريسًا أو عروسًا؟

 

بل: كيف نصنع مساحة آمنة يلتقي فيها الشباب، وكيف نحافظ على جوهر الأصول من دون أن نحول تفاصيلها إلى عوائق، وكيف نحمي حقوق أبنائنا من دون أن نختار حياتهم بالنيابة عنهم؟