الوضع المظلم
نورزوريتا بنت أبو حسن: في كندا تعلّمت أن أسأل قبل أن أفترض

نورزوريتا بنت أبو حسن: في كندا تعلّمت أن أسأل قبل أن أفترض

شارك
Latest news on WhatsApp أجدد الأخبار على واتساب

 

إعداد وحوار: تهاني الغزالي

 

أحيانًا لا تكون أهم دروس الغربة في اللغة أو الطقس أو القدرة على التأقلم، بل في الطريقة التي نتعلم بها أن ننظر إلى الآخرين.

بالنسبة إلى نورزوريتا بنت أبو حسن، زوجة القائم بالأعمال في السفارة الماليزية في كندا، كانت إحدى أهم الهدايا التي منحتها لها تجربتها هنا بسيطة في كلماتها، عميقة في معناها: أن تسأل قبل أن تفترض.

 

فالحياة في مجتمع يأتي أفراده من ثقافات وديانات وخلفيات مختلفة جعلتها تكتشف أن معرفة الناس من بعيد لا تشبه معرفتهم عن قرب. بعض الثقافات التي كانت تعرفها يومًا من الكتب أو الأخبار، أصبحت اليوم تعرفها من خلال أصدقاء؛ ومع كل لقاء، تراجعت مساحة الافتراض واتسعت مساحة الفضول والحوار.

 

وفي الوقت نفسه، حدث العكس أيضًا. فكلما سألها الآخرون عن ماليزيا، وجدت نفسها تعود إلى وطنها وتفاصيله بعين أكثر انتباهًا؛ إلى لغاته، وطعامه، وتنوعه، وإلى أشياء عاشت معها طويلًا من دون أن تتوقف أمام معناها.

 

في هذه الحلقة من «ما وراء البروتوكول»، لا تحكي نورزوريتا فقط عن الانتقال من ماليزيا إلى كندا، بل عن شيء أعمق: كيف يمكن للعيش بين أشخاص مختلفين عنا أن يغيّر الطريقة التي نفهم بها الآخرين، والطريقة التي نرى بها أنفسنا أيضًا.

 

قلتِ إن الحياة الدبلوماسية علمتك أن تأتي إلى الناس بالأسئلة بدلًا من الافتراضات. ما الذي غيّر هذه النظرة لديك؟

 

قبل هذه التجربة، كانت هناك ثقافات لم أكن أعرفها إلا من خلال الكتب أو الأخبار. أما اليوم، فأنا أعرف بعضها من خلال أصدقاء.

 

وهذا فرق كبير.

عندما تعرف إنسانًا بصورة شخصية، تبدأ أشياء كثيرة في التغير. تسأله عن عاداته، وعن أسرته، وعن مناسبة لم تسمع بها من قبل، أو تتناول طعامًا في منزله، فتجد أن معرفتك لم تعد مبنية فقط على صورة بعيدة.

 

لهذا علمتني الحياة الدبلوماسية أن أكون أكثر فضولًا، وأن أطرح السؤال قبل أن أبني افتراضًا.

الدبلوماسية تعني بالطبع أن تمثل بلدك، لكن على المستوى الإنساني هي أيضًا فرصة حقيقية لأن تعرف الناس كما هم.

 

هل تتذكرين موقفًا بسيطًا شعرتِ فيه أن هذا الفضول صنع فعلًا جسرًا بين شخصين لم يكونا يعرفان بعضهما؟

 

أتذكر أنني كنت في حفل بمناسبة يوم وطني، وبدأت الحديث مع إحدى الضيفات.

لم نكن نعرف بعضنا، لكن الحديث أخذنا إلى تجربة الانتقال إلى كندا، وفجأة اكتشفنا أننا مررنا بالكثير من الأشياء المتشابهة.

فالانتقال إلى بلد جديد يعني أن تبدأ جوانب من حياتك من جديد، وأن تمنح نفسك وقتًا حتى يصبح المكان مألوفًا.

 

لم تكن لحظة كبيرة أو استثنائية. كان مجرد حوار بين شخصين.

لكن ربما لهذا السبب بالذات بقيت في ذاكرتي.

أحيانًا لا يحدث التواصل الحقيقي أثناء الجزء الرسمي من المناسبة. يحدث بعد ذلك، عندما يتوقف شخصان فعلًا ليسمع كل منهما الآخر، ويكتشفان أن بينهما مساحة مشتركة لم يكونا يعرفان بوجودها.

 

جئتِ من ماليزيا، حيث التعدد جزء طبيعي من الحياة اليومية. هل أضافت كندا شيئًا جديدًا إلى فهمك لمعنى التعدد الثقافي؟

نعم. ربما أكثر ما أدركته هو أن التعدد الثقافي ليست له صورة واحدة.

 

في ماليزيا، ننشأ ونحن نرى هذا التنوع حولنا بصورة واضحة جدًا؛ نسمع أكثر من لغة، ونعيش وسط تقاليد وديانات وأطعمة جاءت من مجتمعات مختلفة، لكنها أصبحت جزءًا طبيعيًا من حياتنا.

كنت أعيش ذلك كل يوم إلى درجة أنني لم أكن أتوقف كثيرًا للتفكير فيه.

 

أما تجربتي في كندا فجعلتني أكتشف التعدد بطريقة أخرى. بدأت أعرفه من خلال الأشخاص أنفسهم؛ من الصداقات، ومن القصص التي أسمعها، ومن ثقافات كنت أعرف عنها القليل ثم أصبحت أعرفها من خلال أشخاص قريبين مني.

 

وهذا جعلني أفهم أن التعدد لا يتعلق فقط بما نراه حولنا، بل أيضًا بما يحدث عندما نقترب من الناس ونمنح أنفسنا فرصة حقيقية لمعرفتهم.

 

والجميل أن هذه التجربة لم تجعلني أنظر إلى كندا بطريقة مختلفة فقط، بل أعادتني أيضًا إلى ماليزيا بعين أكثر انتباهًا.

 

كيف يمكن للعيش بعيدًا عن الوطن أن يجعلك تكتشفين أشياء فيه لم تكوني ترينها وأنت داخله؟

 

هذا ما حدث معي فعلًا.

اكتشفت أن هناك الكثير من الأشياء التي كنت أعتبرها عادية جدًا، إلى أن وجدت نفسي أشرحها لشخص لم يعش في ماليزيا.

مثلًا، وجدت نفسي أشرح لماذا يمكن للماليزيين أن ينتقلوا من لغة إلى أخرى في منتصف الجملة، ولماذا نضيف كلمة “lah” في نهاية الحديث، وأن هذا بالنسبة إلينا طبيعي تمامًا.

 

ثم هناك الطعام.

لدينا nasi lemak وroti canai وteh tarik وchar kuey teow. هذه الأطعمة تحمل تأثيرات جاءت من مجتمعات مختلفة، ومع ذلك فهي بالنسبة للماليزيين جميعًا جزء من ثقافتنا المشتركة.

لم أكن أفكر من قبل في هذه التفاصيل باعتبارها شيئًا يحتاج إلى تفسير.

 

لكن عندما تحاول أن تقدم وطنك إلى شخص لا يعرفه، تبدأ أنت نفسك في رؤيته بطريقة مختلفة.

وأعتقد أن هذا من أجمل الأشياء التي منحني إياها العيش بعيدًا عن ماليزيا: أن أعود إليها، ولو في ذهني، وألاحظ أشياء كنت أمر عليها كل يوم من دون أن أتوقف أمامها.

 

قلتِ جملة لافتة: «الطعام يفتح الباب، لكن الحوار يأخذنا إلى الداخل». ماذا يوجد خلف هذه العبارة؟

 

الطعام والمهرجانات من أجمل وأسهل الطرق التي نبدأ بها التعرف إلى ثقافة مختلفة.

لكن المشكلة أننا نستطيع أن نتوقف عند هذا الحد.

قد نتذوق طبقًا جديدًا أو نحضر احتفالًا ونعتقد أننا عرفنا الثقافة، بينما المعرفة الحقيقية تبدأ بالنسبة لي عندما نسأل: لماذا؟

 

لماذا يؤكل هذا الطبق في عيد الفطر؟ لماذا هذا الاحتفال مهم لهذه الأسرة؟ وما القصة الموجودة خلف عادة تبدو لنا بسيطة؟

عندما تسأل الإنسان عن السبب، غالبًا ما يعطيك قصة.

وهذه القصة هي التي تقربك منه فعلًا.

 

ولهذا أقول:

"الطعام يفتح الباب، لكن الحوار يأخذنا إلى الداخل".

 

من الخارج، قد تبدو نساء المجتمع الدبلوماسي قادمات من عوالم متباعدة جدًا. ماذا يحدث عندما تختفي الألقاب وتبدأ الحياة اليومية؟

 

نكتشف أننا أقرب إلى بعضنا مما قد يبدو.

نأتي من دول وديانات وثقافات مختلفة، لكن كثيرات منا يعشن التجربة نفسها: الانتقال إلى بلد جديد، مساعدة الأسرة على الاستقرار، البحث عن مدرسة أو طبيب، ثم محاولة تكوين صداقات من البداية.

 

هذه التفاصيل اليومية تخلق بيننا أرضية مشتركة بسرعة.

ثم نبدأ في مشاركة الطعام والقصص والتجارب، ونكتشف أن هناك قيمًا كثيرة تجمعنا؛ الأسرة، واللطف، والإحساس بالمجتمع.

وربما هذا ما أحبه في هذه الحياة: أنها تمنحك فرصة لأن تعرف الإنسان خلف البلد أو المنصب أو الصورة التي ربما كنت تحملها عنه من قبل.

 

وماذا عن كندا نفسها؟ متى بدأتِ تشعرين أنك تعرفين البلد بعيدًا عن المناسبات الرسمية وما يراه الزائر عادة؟

 

أعتقد أن ذلك حدث بالتدريج.

بدأت أسأل الأشخاص الذين ألتقيهم عن الأماكن التي يحبونها هم: إلى أين تذهبون في عطلات نهاية الأسبوع؟ ما الأماكن التي تنصحونني بزيارتها؟ وما الذي يمكنني أن أراه إذا أردت التعرف إلى الحياة هنا بعيدًا عن الأماكن السياحية المعتادة؟

وهذه الأسئلة أخذتني إلى بلدات صغيرة في أونتاريو، وإلى جانب أكثر محلية من الحياة خارج أوتاوا.

 

حتى الشتاء كان اكتشافًا بالنسبة لي.

أتيت من ماليزيا، لذلك كانت هناك أشياء لم أتعامل معها من قبل بالطريقة نفسها، من اختيار ما يناسب البرد إلى تعلم كيف يعيش الناس هنا موسمًا طويلًا وقاسيًا ويصنعون منه في الوقت نفسه جزءًا من حياتهم وأنشطتهم.

 

استمتعت بـ Winterlude، وبمشاهدة الناس يجتمعون حول الشتاء بدل أن يكون مجرد شيء ينتظرون نهايته.

ومع الوقت، أصبحت الأماكن أقل غرابة، وأصبحت لدي ذكريات تخصني أنا، لا مجرد أماكن زرتها.

 

وهكذا بدأت كندا بالنسبة لي تتحول من بلد جئت إليه بسبب مهمة دبلوماسية إلى مكان أصبحت لي فيه حياة وتجارب وذكريات.

 

وكما كنتِ فضولية تجاه كندا، هل شعرتِ أن هذا الفضول كان متبادلًا؟

 

نعم، وهذا أسعدني.

كما كنت أسأل عن كندا وعن الحياة هنا، كان الأشخاص الذين ألتقيهم يسألونني عن ماليزيا.

كانوا يريدون معرفة المزيد عن الطعام، والثقافة، والتقاليد، وطريقة الحياة.

 

وأعتقد أن أجمل شيء في هذا النوع من التواصل أنه لا يسير في اتجاه واحد.

أنا لا أتعرف فقط إلى البلد الذي أعيش فيه، بل أحمل معي أيضًا شيئًا من بلدي وأشاركه مع الآخرين.

في النهاية، المعرفة الحقيقية ليست أن يشرح طرف نفسه طوال الوقت، وإنما أن يكون كل طرف مستعدًا أيضًا لأن يسمع الآخر.

 

إذا التقى بك شخص لا يعرف عن ماليزيا إلا الصورة السياحية المعتادة، ماذا تتمنين أن يعرف عنها من خلالك؟

 

أتمنى أن يرى ماليزيا باعتبارها أكثر من الشواطئ والطعام الجيد، رغم أن لدينا الكثير من الاثنين!

ما يجعل ماليزيا مميزة بالنسبة لي هو الناس.

 

لدينا الملايو والصينيون والهنود، والمجتمعات الأصلية المختلفة في ساراواك وصباح وشبه الجزيرة، وجميعهم ماليزيون.

ثقافاتنا متداخلة مع بعضها البعض، وهذا جزء من طبيعة البلد ومن هويته.

 

ولدينا مثل يقول:

“Di mana bumi dipijak, di situ langit dijunjung.”

ومعناه أن الإنسان أينما عاش يحترم عادات المكان الذي يعيش فيه.

أحاول أن أعيش بهذه الفكرة في كندا؛ أن أحترم المكان الذي أعيش فيه وأن أتعلم منه، وفي الوقت نفسه أشارك الآخرين شيئًا من ماليزيا.

 

وإذا غادر شخص بعد لقائي وهو أكثر فضولًا لمعرفة بلدي، فهذا يسعدني.

 

تحدثتِ عن الفصول الأربعة بطريقة بدت وكأنها تجاوزت الطقس وأصبحت جزءًا من تجربتك الشخصية. ماذا علمتك؟

كانت تجربة جديدة تمامًا بالنسبة لي.

في ماليزيا لا نعيش الشتاء بهذه الصورة، ولذلك كانت رؤية الثلج، والشعور بهذا النوع من البرد، ثم مشاهدة الطبيعة وهي تتغير من فصل إلى آخر، شيئًا مميزًا جدًا.

لكن مع الوقت، بدأت أشعر أن الأمر أكبر من مجرد طقس.

 

كل فصل جعلني أنتبه إلى شيء مختلف.

المشي وسط الثلج في الشتاء، ثم رؤية كل شيء يعود إلى الحياة في الربيع، وأيام الصيف الطويلة، وبعد ذلك ألوان الخريف.

هذه التغيرات جعلتني أبطئ قليلًا.

 

جعلتني أنظر حولي أكثر، وأن أقدر الأشياء الصغيرة التي قد نمر عليها عادة من دون أن نلاحظها.

وربما لهذا ستبقى الفصول الأربعة واحدة من أكثر الأشياء التي سأربطها بتجربتي في كندا.

 

وعندما يحين يوم الرحيل، ماذا ستأخذين من كندا معك إلى ماليزيا؟

 

لن أتذكر كندا فقط من خلال الأماكن التي زرتها.

سأتذكر الأشخاص الذين التقيتهم، والأحاديث التي دارت بيننا، والذكريات التي صنعتها هنا.

وسأتذكر بالتأكيد أنني عشت للمرة الأولى تجربة الفصول الأربعة كاملة.

 

لكنني أعتقد أيضًا أنني سأعود إلى ماليزيا وأنا أنظر إلى وطني نفسه بطريقة مختلفة.

فالعيش بعيدًا عنه جعلني ألاحظ بعض تفاصيله بصورة أوضح، وفي الوقت نفسه أصبحت كندا جزءًا من تجربتي ومن ذاكرتي.

سأحمل معي دائمًا قطعة صغيرة من كندا؛ الذكريات، والأشخاص الذين التقيتهم، وجمال أن أعيش الفصول الأربعة للمرة الأولى في حياتي.

نورزوريتا بنت أبو حسن: في كندا تعلّمت أن أسأل قبل أن أفترض
نورزوريتا بنت أبو حسن: في كندا تعلّمت أن أسأل قبل أن أفترض