BRICS في اختبار الشرق الأوسط: التوسع يزيد الوزن ويصعّب التوافق
- بقلم Tahani Elghazaly
- نشر في
انتهى اجتماع وزراء خارجية دول BRICS في نيودلهي من دون صدور بيان مشترك، في تطور يعكس حجم التباينات داخل الكتلة بعد توسعها، ويطرح سؤالًا سياسيًا مهمًا: هل يستطيع الجنوب العالمي التحدث بصوت واحد عندما تدخل أزمات الشرق الأوسط إلى قلب الطاولة؟
وبحسب وكالة Reuters، فشل وزراء خارجية دول المجموعة في التوصل إلى بيان موحد بعد اجتماع استمر يومين في العاصمة الهندية، لتكتفي الهند، بصفتها رئيسة المجموعة لعام 2026، بإصدار بيان رئاسة أشار إلى وجود “وجهات نظر مختلفة” بين بعض الأعضاء بشأن الوضع في غرب آسيا والشرق الأوسط. وشمل الاجتماع دولًا بينها إيران والإمارات، وهما طرفان يملكان رؤيتين متباينتين تجاه ملفات إقليمية حساسة.
وتكتسب هذه النتيجة أهميتها لأنها لم تحدث في قضية هامشية، بل في ملف يمس الحرب في إيران، وغزة، وأمن البحر الأحمر وباب المندب، وهي ملفات تجمع بين السياسة والطاقة والملاحة الدولية ومصالح دول عربية وإقليمية داخل المجموعة وخارجها. وذكرت Associated Press أن الاجتماع اختتم من دون بيان مشترك بسبب الخلافات حول النزاع في الشرق الأوسط، مع وجود تحفظات على أجزاء تتعلق بغزة وأمن البحر الأحمر وباب المندب.
وكان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قد دعا دول BRICS إلى إدانة الولايات المتحدة وإسرائيل بسبب ما وصفه بـ“العدوان غير القانوني” على إيران، في حين كشفت صياغة بيان الرئاسة الهندي أن المجموعة لم تتمكن من تبني موقف موحد بهذا الوضوح. وقالت Reuters إن عراقجي أشار، من دون تسمية الإمارات، إلى أن عضوًا في BRICS عرقل أجزاء من البيان، بينما أقر النص الصادر عن الهند بوجود خلافات بين الأعضاء حول الشرق الأوسط.
ولا يعني الفشل في إصدار بيان مشترك أن BRICS فقدت أهميتها. على العكس، فالمجموعة أصبحت بعد التوسع أكثر حضورًا في ملفات الاقتصاد والطاقة والدبلوماسية، وتضم دولًا مؤثرة من آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية والشرق الأوسط. لكن المشكلة أن هذا التوسع نفسه جعل الوصول إلى توافق سياسي أكثر صعوبة، خصوصًا عندما تجلس دول لديها خلافات إقليمية مباشرة داخل القاعة نفسها.
فالكتلة التي بدأت كمنصة اقتصادية للدول الصاعدة تحولت تدريجيًا إلى مساحة سياسية أوسع، تحاول تقديم نفسها كصوت للجنوب العالمي في مواجهة هيمنة القوى الغربية على النظام الدولي. غير أن اجتماع نيودلهي كشف أن “الجنوب العالمي” ليس كتلة واحدة متجانسة. داخله دول نفطية وأخرى مستوردة للطاقة، دول حليفة للغرب وأخرى في مواجهة معه، دول عربية، وإيران، وقوى آسيوية كبرى مثل الصين والهند، ولكل طرف حساباته ومصالحه وحدوده.
وتبدو أزمات الشرق الأوسط اختبارًا حقيقيًا لهذه المعادلة. فغزة، وإيران، وأمن الممرات البحرية، والبحر الأحمر، وباب المندب، ومضيق هرمز ليست ملفات رمزية فقط، بل قضايا ترتبط بتدفق الطاقة والتجارة العالمية وأسعار الشحن والتضخم. لذلك يصبح إصدار بيان موحد أكثر تعقيدًا، لأن أي كلمة قد تُقرأ كاصطفاف سياسي أو أمني أو اقتصادي.
وهنا يظهر التناقض الأساسي داخل BRICS بعد التوسع: كلما كبرت المجموعة زاد وزنها الدولي، لكنها في الوقت نفسه أصبحت أقل قدرة على الكلام بصوت واحد في الملفات الحساسة. فالتوسع يمنحها تمثيلًا أوسع للجنوب العالمي، لكنه يدخل إلى داخلها خلافات الجنوب نفسه.
بالنسبة للدول العربية داخل BRICS أو القريبة منها، يحمل هذا التطور دلالة خاصة. وجود مصر والإمارات والسعودية كدول ذات وزن عربي وإقليمي يجعل قضايا الشرق الأوسط حاضرة بقوة في اجتماعات المجموعة، لكن هذا الحضور لا يعني بالضرورة اتفاقًا تلقائيًا. فكل دولة عربية تدخل BRICS وهي تحمل أولوياتها الوطنية، من الأمن والاستثمار والطاقة إلى العلاقات مع واشنطن وبكين وموسكو وطهران.
وتحاول الهند، التي ترأس المجموعة هذا العام، الحفاظ على لغة توازن تسمح باستمرار الحوار من دون تفجير الخلافات. لذلك جاء بيان الرئاسة كحل وسط: لا بيانًا جماعيًا كاملًا، ولا انهيارًا للاجتماع. هذه الصيغة تمنح المجموعة فرصة لتجاوز الخلاف مؤقتًا، لكنها لا تخفي حقيقة أن التوافق السياسي داخل BRICS صار أصعب مما كان عليه قبل التوسع.
وتشير هذه الواقعة إلى أن مستقبل BRICS قد لا يكون في إصدار مواقف سياسية موحدة حول كل أزمة، بل في بناء مساحات تعاون عملية في التجارة، والتمويل، والطاقة، والبنية التحتية، والتكنولوجيا، مع ترك الملفات السياسية الأكثر حساسية لصيغ مرنة لا تجبر الأعضاء على تبني موقف واحد.
لكن هذا الخيار له كلفة أيضًا. فإذا أرادت BRICS أن تكون أكثر من منتدى اقتصادي، وأن تقدم نفسها كبديل أو توازن في النظام الدولي، فستحتاج إلى آليات أوضح لإدارة الخلافات بين أعضائها. أما إذا بقيت عاجزة عن التوافق في لحظات الأزمات الكبرى، فقد يظل نفوذها السياسي أقل من حجمها الاقتصادي والديمغرافي.
الخلاصة أن اجتماع نيودلهي لم يكن مجرد خلاف على صياغة بيان. كان اختبارًا مبكرًا لـBRICS الموسعة. المجموعة أصبحت أكبر وأكثر أهمية، لكنها أصبحت أيضًا أكثر تعقيدًا. والرسالة الأبرز أن الجنوب العالمي يستطيع أن يجتمع في قاعة واحدة، لكن التحدث بصوت واحد ما زال مهمة صعبة عندما يتعلق الأمر بالشرق الأوسط.
قد يعجبك أيضًا
Authors
-
Tahani Elghazaly5252 المقالات
منشورات شائعة
-
مونتريال تستضيف لقاءً تحض...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 1, 2026
-
13 عملاً في القائمة القصي...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 1, 2026
-
قطر تعرض في تورونتو حصيلة...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 1, 2026
-
الكبد والحمل.. لماذا تحذّ...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 1, 2026
النشرة البريدية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على أحدث التحديثات!