الوضع المظلم
أخبار عاجلة
آدم بن يقظان

آدم بن يقظان

شارك
Latest news on WhatsApp أجدد الأخبار على واتساب

 

للأديب صابر الجنزوري

في هذه القصة يمضي صابر الجنزوري بالقارئ من عاصفة البحر إلى جزيرة للنجاة، ومن اضطراب العالم إلى حلم العدالة والمعنى. نص مشحون بالرمز والدهشة، يزاوج بين الحكاية والتأمل، ويضع الإنسان أمام سؤال قديم متجدد: هل النجاة مكان نصل إليه، أم حالة نولد فيها من جديد؟ في «آدم بن يقظان» يفتح الكاتب بابًا بين عالمين؛ عالم يثقل الروح بالخوف والتناقض، وآخر يبدو كأنه الوعد الذي ظل القلب يطارده طويلًا.

 

كل شيء كان يتحرك خارج نافذة حجرتي بالسفينة، المشاهد تتوالى، والدقائق تمضي مع اتجاه سير السحب، الأمواج ترتفع وتهبط، والشمس تغير مساراتها، والسماء تغير ألوانها، بينما كنت في حالة سكون...

 

اضطربت الحركة وحدث الهرج، السفينة تتحطم، ويتلاشى في غيابات الضباب الزمان والمكان، وتنعدم رؤية الأشياء.

وجدت نفسي وسط أشجار كثيفة في جزيرة غريبة.

 

جرعة لبن في قدح صغير من الفخار أنقذتني من الهلاك.

عندما تنهّدت، وعادت إلى الروح التي كادت أن تغادر جسدي الضعيف، وجدته أمامي مبتسمًا. بدا كأنه الإنسان الأول: شعره الأشعث الطويل، ولحيته الطويلة، وشعر يغطي صدره، وسترة جلدية تغطي نصفه الأسفل.

قال: «لا تخف».

 

سألت: «من أنت؟»

أجاب: «حي بن يقظان».

قلت: «أنت أسطورة لا حقيقة».

قال ساخرًا: «ها أنا حقيقة أمامك».

قلت: «لكنك تحدثت بلغتي، وكأنك من عالمي الذي كنت أعيش فيه».

ردّ: «عالمك الذي تريد الهروب منه».

قلت: «كيف عرفت؟»

قال: «عن الغيب لا تسأل».

صمت قليلًا ثم سأل:

 

«لماذا تريد الهروب؟»

قلت: «لأنني لم أعد أستطيع العيش في عالمي مزيفًا».

قال: «هذا لأنك ابن عالم الأضداد، كل شيء له ضد، وكل بناء يقابله هدم، وكل شر يقابله خير».

قلت: «أين أنا الآن؟»

 

قال: «في جزيرة النجاة».

قلت: «وهل من أحد سواك هنا؟»

قال: «الهاربون من عالمك، والحيوانات، وأنا...»، وأشار إلى أكواخ صغيرة متجاورة.

نظرت فرأيت على البعد رجالًا ونساءً، وأسودًا، وذئابًا، وثعالب، وغزلانًا، وماشية، وجمالًا، يا لها من غابة!

قرأ ما دار بعقلي وقال:

«القانون هنا يقول: العدل أساس الحياة. من أجل ذلك، تجد الذئب يتعايش مع الشاة، والراعي في سلام».

قلت: «ومن يحكم الجزيرة؟»

قال: «كلنا نعيش معًا، وكلّ منا يعرف حقه وواجباته... هيا لنعرف كوكبك الذي ستعيش فيه».

غربت الشمس ودخل المساء، وقبل هجوم الليل أضيئت السماء بأنوار بيضاء انبعثت من الشجر والنخيل أمام الأكواخ.

ضغط على زر بجهاز تحكم صغير أخرجه من جيب سترته الجلدية، فتح باب الكوخ، واستقبلتنا امرأة قالت في حسنها كل النساء اللواتي رأيتهن في عالمي.

تسمّرت قدماي وتسارعت نبضات قلبي.

 

قال: «هذه عروسك الليلة»، وتركني معها.

نادتني باسمي: «تعال يا آدم، انظر، سوف تعرفني».

لم أعرف امرأة بهذا الحسن من قبل.

همست: «دع قلبك يراني».

شعرت بحركة في القلب، وهتفت:

«تشبهين حبيبتي التي رأيتها يومًا في الحلم! »

أدهشتني وقالت:

«الذي يتمناه في عالمك ولم يتحقق،
تراه بين يديك في عالم آخر...
أنا هي يا آدم».

كل شيء في الكوخ كان جديدًا؛ الفراش، الستائر، وشاشة عرض لم أر مثلها من قبل.

الغريب أن كل شيء يبدأ عمله حسب الخاطر الذي يطوف بعقلي، وكان خاطري هو جهاز التحكم في الأجهزة أمامي.

أدركت بعد قضاء ليلتي الأولى مع «جنة» أنني كنت في جنة حقيقية، لكنني لم أكن أعلم إن كانت على الأرض أم في السماء، وأن العالم الذي أعيش فيه عالم حقيقي وليس افتراضيًا، وأني لست أحلم. ربما كان العالم الضد أو النسبي للزمان والمكان، والعالم الذي كنت أعيش فيه.

بزغ نور الصباح من جوف ليل ساحر، حيث لا يوجد ظلام سوى في قبور الجزيرة.

ترامى إلى سمعي صوت زفة قادمة، وغناء وقرع طبول ودفوف، وعطر عود وبخور يفوح تختلط برائحة عطر «جنة» الذي لم أشم مثله من قبل.

 

كان «حي» في صورة أخرى غير التي رأيته عليها بالأمس؛ وجه جميل يشع منه نور، وشعر أبيض قصير، ولحية بيضاء مهذبة، بدا في ثوبه الأبيض كأنه مُحرم لا يظهر من جسده سوى كتفه الأيمن، وكذلك كان من معه من الرجال.

أما النساء فكن كالملائكة والحمامات البيضاء.

 

دخل «حي» كوخي وبعض من كانوا معه، فباركوا لنا بالدعاء. غنت حمامة بيضاء، وأنشد «حي» معها، وكانت «جنة» تضحك، فيبدو لؤلؤها، ويشع النور من عينيها، وابتسامات خجلى تجيب بها كلما سأل أحدهم عن أخبار ليلة العرس.

«أتريد أن ترى عالمك الذي جئت منه، يا آدم؟»

 

قال «حي»، وأبديت رغبتي في الرؤيا...

أشار إلى الشاشة الكبيرة المعلقة على الحائط، فأخذ يتنقل بين المحطات، ويعلق على كل حدث شاهده:

«هذه حروب الشرق مع الغرب، وهذه صراعات الشمال والجنوب...
في القارة السمراء ترى كل أنواع الجنون، وفي القارة البيضاء تجد كل أنواع المجون».

تأمل رد فعلي، وأردف:

 

«رأيت المحطة الأخيرة، وأخشى أن تراها الآن فلا تتحمل ما سوف تراه».

أبديت دهشتي، فهز رأسه واسترسل:

«يا بني، لقد بدأت علامات الوعيد، واقترب اليوم الموعود».

توقف ثم بكى، وقبل أن يغادر، سألته:

«وهل أنت ابن الأرض أم ابن السماء؟»

رمقني بنظرة؛ شعرت كأنه أبي، فقال:

«لا تشغل بالك، وعش حياتك مع «جنة»
واستعد لتبدأ العمل مع أهل الجزيرة».

قلت: «وهل سأعود إلى عالمي؟»

 

ضحك ضحكة صافية ظل صداها يتردد بين السماء والأرض، وقال:

«تحتاج لمئة سنة ضوئية
لتعود إلى عالمك».