حديث الزيتونة لأميمة عبدالعزيز.. ذاكرة تعبر الزمن
- بقلم Tahani Elghazaly
- نشر في
حديث الزيتونة
بقلم الأديبة أميمة عبدالعزيز
من المجموعة القصصية «خارج نطاق الزمن»
بعض الأشجار لا تقف فوق الأرض فقط، بل تمتد جذورها عميقًا في ذاكرة البشر.
مرت من جوارها وجوه، وتعاقبت أمامها أجيال، واحتضنت في صمت حكايات الحب والفقد، وانتظرت العائدين من الحروب، واستقبلت دموع من لم يعودوا.
ماذا لو استطاعت شجرة عاشت قرونًا أن تفتح لنا أبواب ذاكرتها؟
ماذا لو اقتربنا منها بما يكفي لنسمع همسات الذين تركوا شيئًا من أرواحهم بين أغصانها؟
في «حديث الزيتونة» لم أرد أن تكون الشجرة مجرد شاهد على الزمن، بل أردتها ذاكرة حية تعبر بنا من عصر إلى آخر، لتقول لنا إن الإنسان يرحل، وإن المدن تتغير، وإن الحجر قد يحاصر الأرض، لكن بعض الحكايات ترفض الموت.
ومن هنا تبدأ رحلتنا الأولى خارج نطاق الزمن.
حديث الزيتونة
(عبد الهادي سليمان) صاحب شركة المصرية للإنشاءات، تحايل على القوانين حتى حصل على تصريحًا ببناء مول تجاري ضخم على مزرعة الموالح والزيتون المجاورة لبيت سناء، الفتاة اليافعة الرقيقة، التي اشتهرت بكونها مهندسة زراعية ذات خبرة وتفانٍ في عملها.
بدأت مرحلة اقتلاع الأشجار كاغتصاب المحتل للوطن، كيف تحل أطنان الحديد والأسمنت محل الأشجار العتيقة وروائح الزهور، كيف يبتر جزءًا من رئة الأرض التي نتنفس بها جميعًا.
لم تقف (سناء) مكتوفة الأيدي، ذهبت إلى مجلس المدينة، ثم إلى قسم الشرطة، الكل وقف عاجزًا أمام ما يملكه هذا الرجل من سلطة، وبعد أن حصل على جميع الأوراق الرسمية.
لم يبق أمامها سوى (المهندس عصام)، المشرف على المشروع، وصلت إليه بصعوبة، حدثته عن هذه الجريمة، أخذته لأقدم شجرة في المكان، شجرة الزيتون على أطراف الموقع وكان عمرها تسعمئة عام أو يزيد، نظر في خزي وأسى للشجرة، تركته سناء على أمل أن يستيقظ ضميره.
أخذت الرياح تهز أغصانها، وضع رأسه مستندًا على الزيتونة، سمع همهمات تتناجى، ابتعد عنها، بحث عن مصدر الصوت، فلم يجد سوى مداعبة الريح للأغصان.
وقف ينظر إليها في صمت خانق، وهو يتخيل نفسه يقف بجوار مقصلة كبيرة، والدماء تلوث يديه وثيابه، فهو يقوم ببتر كائن حي بلا ذنب.
طال انتظار (فتح الله) – الشاب اليافع – وهو يستظل بشجرة الزيتون، يرسل بصره إلى الطريق، ينتظر (فردوس) أجمل فتاة في القرية، سمراء النيل كما أطلق عليها، لم يتبق إلا القليل من الوقت على ترحيله مع الجيش، فقد احتل الصليبيون دمياط منذ عدة أيام وهم يتقدمون للاستيلاء على المنصورة.
اضطر أن يرحل دون وداعها، وضع كفه على الشجرة، أودعها رسالة وداع، ثم ترك على لحائها عطر أنفاسه المتقطعة، رحل شاردًا، كان يخشى أن يموت دون أن يراها.
وصلت (فردوس) لاهثة للزيتونة، تلفتت حولها في صمت صارخ، هل رحل مع أبناء البلدة! رحل قبل أن يكسوني وشاح حروفه! أخذت تحدث شجرة الزيتون، تتحسس لحاءها، تضع أذنيها عليها، حتى غمرت روحها أنفاسه، سمعت في قلبها صدى كلماته، انقشع الضباب وعادت حزينة تنتظر عودته.
أما (مريم) الفتاة الرقيقة الحالمة هامت في سعادة لا توصف، بعد أن تزوجت شابًا وسيمًا هادئ الطباع، يلبي كل رغباتها بعد أن وافق على حضور حفل أم كلثوم بحديقة قصر الأزبكية، هو يوم يكتب في التاريخ، دونته في دفتر مذكراتها، إنه أول لقاء فني بينها وبين الموسيقار عبد الوهاب، تبقى أن يأتي (رشاد) سريعًا حتى تصل الحفل باكرًا.
- أرجوك يا (رشاد) لا تذهب وتتركني، أنت فاجأتني بخبر زواجك، كيف تفعل هذا بي بعدما اتفقنا على الزواج! ألم تدرك أنني أحبك! لن أستسلم لأني لن أستطيع الحياة بدونك.
- انتهى الأمر، لقد تزوجت إنسانة طيبة، أرجوكِ.. الزواج قسمة ونصيب، نحن الآن زملاء عمل فقط.
خرج (رشاد) سريعًا كأنه يفر من وحش بداخله، يفترسه كلما ضعفت إرادته أمام حبه لـ(زهرة)، بعدما تخلى عن فكرة الزواج منها لمعرفته بأنها كانت على علاقة بزميل لهم، ومع أنه شعر بالضيق لأنه لم يمنحها حق الدفاع عن نفسها، فقد حزم أمره وتزوج (مريم) ابنة صديقة والدته، فلم يتحمل كذبها عليه.
جلسا في الصف الخامس، كانت الأجواء مبهرة، كأنهم يتأهبون لإذاعة خطاب للرئيس جمال عبد الناصر، رقصت السعادة على وجه (مريم)، كانت تشد على يده بين الحين والآخر، لا تدع يده تفلت من يدها شكرًا على تحقيق حلمها، أما (رشاد) فقد رسم الابتسامة على شفتيه وعقله تائه بين كلمات (إنت عمري).
في اليوم التالي تلقت (مريم) اتصالًا مجهولًا، ينبئها بأن زوجها على علاقة بزميلته في العمل، اشتعلت الغيرة في قلبها، تساؤلات كثيرة دارت في رأسها.
كادت أن تختنق، خرجت تسير في الهواء الطلق، أخذتها قدماها لشجرة زيتون عتيقة، بالقرب من منزلها، احتضنتها.. ربما لتستمد منها الثبات والقوة، انسابت دموعها بغزارة، تساقطت على لحاء الشجرة العتيقة، هبت عليها نسمات جففت دمعها، سمعت همسًا غير مفهوم.
أخذت تتحسس الغصون والأوراق، سمعت أصواتًا مكتومة.. هل الشجرة تتحدث! أم أصابها الجنون! لم ترتعد خوفًا بل شعرت بطمأنينة غريبة.
عادت إلى منزلها وعقلها شارد ما بين حديث الهاتف وحديث الزيتونة، لم تخبر (رشاد) بشيء، ظلت صامتة تفكر فيما حدث، و(رشاد) أيضًا ظل غارقًا في صراع عميق.
لم تفارق صورة (زهرة) خياله، كلما حاول نسيانها غرق في ظلام الأعماق، وهو لا يدري بأنها تحاول الاقتصاص منه.
عانى (عصام) طوال ليلته، طاردته الزيتونة في الأحلام، ذهب إليها استرق السمع، وكأن بداخلها زحام شديد، وجد ثقبًا ينفذ منه الضوء، نظر من خلاله، فإذا بعالم كبير يطل عليه.
مشاعر متضاربة.. همهمات.. صراخ.. أحزان.. أفراح..
رأسه يدور بشدة، تمسك بالزيتونة، جذبته بداخلها، أخذ يصيح بصوت عالٍ، امتدت يد إليه، تمسكت بيده، صاحت باسمه نظر (عصام) في دهشة: (سناء)! أين أنا؟
خيم على قلبه الحزن، كان يتمنى رؤية وجهها وسماع دعواتها له قبل بدء المعركة، فظل شاردًا واجمًا، حتى حانت اللحظة.
وضع (الظاهر بيبرس) خطة محكمة، انهزم العدو في معركة المنصورة، عادت القوات تزف نبأ الانتصار، أضاء الفرح وجه (فردوس)، خرجت إلى الزيتونة، تخبرها نبأ الانتصار.
حدثت جلبة، تمايلت الأغصان، اشتبكت طرحتها السوداء مع فرع منها، حاولت تخليصها، تمزقت وظل جزء منها محتجزًا بين الأغصان، غطى وجهها الحزن، عادت تستطلع الأخبار، لم يعد (فتح الله) إلا جثة هامدة.
- سناء.. لن يتم التخلص من تلك الزيتونة، أقسم لك إنها حية، هي عالم كبير.
- نعم.. شهدت الكثير من الأحداث، سعيدة أنك آمنت بضرورة إنقاذها.
- كيف لم أتعرف عليكِ قبل هذا، أنت مخلوقة رقيقة، أشعر وأنا معك بكثير من الطاقة والنور، لم يخطر ببالي يومًا أن أستمع إلى لحاء الشجر، عجيب أمرك.
لم تتحمل مريم إخفاء معرفتها بعلاقته مع زميلته:
- (رشاد).. حدثني عن حياتك قبل أن نتزوج، هل صادفك الحب؟
- ما هذا السؤال! هل قصرت معك في شيء؟
- أنا لا أجيد الكذب، تلقيت مكالمة من امرأة مجهولة تؤكد أنك على علاقة بزميلة لك بالعمل.
أربكته المفاجأة وأخذ يصيح: هل تتجسسين علي؟ نعم، أحببت (زهرة) زميلتي، وتركتها وتزوجتك، هل أجرمت؟! أعاملك معاملة جيدة، ماذا تريدين أكثر من هذا!
- أريدك أنت، أشعر بك غريبًا عني، لماذا فعلت هذا بي.
بكت كثيرًا، عادت إلى الزيتونة تقص عليها حيرتها، ماذا تفعل، هل تتركه وترحل، أم تجاهد لاستمالته ربما التفت شباكها حوله ونسي الماضي.
عاد مبكرًا من عمله، لم يجدها بالمنزل، استشاط غضبًا، ظن أنها غادرت إلى بيت أبيها، حتى وجد أغراضها.
خرج يبحث عنها وهو لا يفهم ماذا حدث له، هل تحول قلبه؟ كيف شعر بالكراهية تجاه (زهرة) لأنها جرحت مشاعر (مريم) باتصالها، أليس دليلًا على تمسكها به؟ ولكن قلبه يتمزق حزنًا على ما أصاب (مريم).
تذكر أنها حدثته يومًا عن شجرة عتيقة تشعرها بالراحة عند الساقية القديمة، ذهب إلى هناك، وضع يده على الزيتونة، انتبهت لوجوده، أمسك بيدها قائلًا: لن أشعر بالغربة بعد أن وجدتك، لقد ودعت الماضي، أنا هنا معك في الحاضر والمستقبل.. كان صادقًا، شهدت الزيتونة على وفائه لها حتى فاضت أرواحهما إلى بارئها.
بالرغم من علمها أنه لن يأتي لكنها ما زالت تنتظره، ترفض فكرة موته بالحرب، تشعر به حيًّا بداخل الزيتونة، واظبت على زيارته والحديث إليه إلى أن رحلت هي الأخرى، لحقت به بعد أن أهدت حبها إلى الزيتونة لتكون شاهدة على وفائها له حتى بعد رحيله.
بدأ البناء على قدم وساق، أقيمت الجدران العالية، لم تشهد هذه المنطقة النائية ضوضاء وحركة مثلما حدث مع الانتهاء من بناء المول التجاري.
وفي مقدمة المول وقفت الزيتونة شامخة، تحمل في أحشائها آلاف القصص، تحمل تاريخًا طويلًا، أصبحت مزارًا لأقدم شجرة حية في المنطقة، سميت الشجرة الناطقة، وظلت الهمهمات سرًّا مجهولًا حتى يومنا هذا.
الوسوم
قد يعجبك أيضًا
Authors
-
Tahani Elghazaly5140 المقالات
منشورات شائعة
-
Nine Muslim Schools Heigh...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 26, 2026
-
رسالة تهديد واحدة تضع 9 م...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 26, 2026
-
مفترق الطرق.. حين لا يكون...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 26, 2026
-
احتفالًا بمرور 200 عام عل...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 26, 2026
النشرة البريدية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على أحدث التحديثات!