الوضع المظلم
خصوم كارني يساندون وقف المفاوضات.. جبهة كندية تتفق على الخطوط الحمراء وتختلف على الرد

خصوم كارني يساندون وقف المفاوضات.. جبهة كندية تتفق على الخطوط الحمراء وتختلف على الرد

شارك
Latest news on WhatsApp أجدد الأخبار على واتساب

 

لم يكن اللافت في قرار رئيس الوزراء مارك كارني وقف المفاوضات التجارية مع الولايات المتحدة أن حكومته دافعت عنه، بل أن جزءًا مهمًا من خصومه السياسيين ورؤساء المقاطعات وجد نفسه، خلال ساعات، أقرب إلى موقفه منه إلى الضغط عليه للعودة إلى طاولة التفاوض بأي ثمن. هذا التقارب لا يعني أن الخلافات الداخلية اختفت، لكنه يكشف أن الأزمة انتقلت في نظر أطراف كندية عدة من خلاف على نسب الرسوم إلى سؤال أوسع يتعلق بحجم التنازلات التي يمكن لكندا قبولها في علاقتها مع أكبر شريك تجاري لها.

 

كارني علق المحادثات مساء الجمعة 21 أغسطس وأعاد فريق التفاوض إلى أوتاوا، بعدما قال إن واشنطن أدخلت في الساعات الأخيرة شروطًا وصفها بأنها غير عادلة وغير اقتصادية، وإنها لم تعد تحقق الأهداف التي دخلت كندا المفاوضات من أجلها. وبعد ساعات، بدأت الولايات المتحدة تطبيق رسوم بنسبة 50% على نحو 28 مليار دولار كندي من الصادرات، فيما أعلنت أوتاوا أنها سترد "دولارًا مقابل دولار" اعتبارًا من 8 سبتمبر.

 

لكن ما غيّر طبيعة النقاش السياسي داخل كندا لم يكن الرسوم وحدها. كارني قال إن بعض المطالب الأمريكية الأخيرة كانت ستقيد قدرة كندا على عقد اتفاقات تجارية مع دول أخرى، وإن الخلاف امتد إلى حماية اللغة والثقافة وبعض قطاعات صناعة السيارات. وبالنسبة لحكومته، أصبحت المسألة مرتبطة بهامش القرار الكندي نفسه، لا بمجرد الوصول إلى تسوية جمركية أفضل.

 

واشنطن تنفي هذه الرواية. الممثل التجاري الأمريكي جيميسون غرير قال إن الولايات المتحدة عرضت تخفيضات مهمة على رسوم الصلب والألمنيوم والسيارات والأخشاب، واتهم كندا بإضافة مطالب جديدة والتراجع عن تفاهمات سابقة. ومن هنا تبقى فجوة أساسية في الصورة: كلا الطرفين يشرح لماذا فشلت الصفقة، لكن النص الكامل لما كان مطروحًا لم يصبح متاحًا للرأي العام حتى الآن.

 

وهذه الفجوة تحديدًا هي التي جعلت موقف المحافظين أكثر تعقيدًا من مجرد الوقوف مع الحكومة أو ضدها.

 

فزعيم الحزب بيير بويليفر قال إن كندا لا ينبغي أن تقبل رسومًا أحادية تهدد صناعاتها، ولا "صفقة سيئة" لمجرد الوصول إلى اتفاق. لكن حزبه عاد صباح الأحد وطالب الحكومة بالكشف عن تفاصيل العرض الأمريكي. وكتب المتحدث باسم المحافظين للعلاقات الكندية الأمريكية شوفالوي ماجومدار إلى وزير التجارة دومينيك لوبلان مطالبًا بنشر أي مشروع اتفاق اطلع عليه الطرفان، معتبرًا أن البرلمان والكنديين لا يزالون لا يعرفون بما يكفي ما الذي رفضته الحكومة.

 

بهذا المعنى، لم يتراجع المحافظون عن دورهم كمعارضة عندما ساندوا قرار الانسحاب. هم قبلوا نتيجة محددة، وهي عدم توقيع الصفقة، لكنهم لم يقبلوا أن تكون رواية الحكومة وحدها كافية للحكم على ما جرى.

 

الموقف نفسه ظهر بصيغ مختلفة لدى أحزاب أخرى. زعيم الحزب الديمقراطي الجديد آفي لويس قال بوضوح إن كارني كان محقًا في مغادرة طاولة المفاوضات وإن "عدم وجود اتفاق أفضل من اتفاق سيئ"، لكنه نقل اهتمامه سريعًا إلى العمال والصناعات التي ستتحمل تكلفة النزاع، وطالب بمساعدات سريعة وكبيرة للمتضررين. أما حزب الكتلة الكيبيكية فطالب بإطلاع زعماء الأحزاب على تفاصيل الوضع، بينما قالت زعيمة الخضر إليزابيث ماي إنها تعتقد أن الصفقة كانت سيئة وأن الانسحاب منها كان القرار الصحيح، لكنها دعت أيضًا إلى إبقاء قادة الأحزاب على اطلاع على الخطوات التالية.

 

ومع انتقال الأزمة من البرلمان إلى المقاطعات، أصبحت الحسابات أكثر ارتباطًا بالاقتصاد المحلي.

 

في أونتاريو، لا تُقرأ الرسوم باعتبارها مواجهة دبلوماسية بعيدة. المقاطعة تضم جزءًا كبيرًا من صناعة السيارات والصلب والتصنيع الكندية، ولذلك منح رئيس وزرائها دوغ فورد كارني دعمًا صريحًا، وقال إنه سعيد بعدم توقيع الاتفاق لأنه كان "صفقة سيئة". وفي الوقت نفسه دفع فورد باتجاه رد أكثر حدة، يشمل رسومًا مقابلة واستخدام أدوات اقتصادية أخرى لزيادة الضغط على الولايات المتحدة.

 

وفي بريتيش كولومبيا، ونوفا سكوشا، ونيوفاوندلاند ولابرادور وعدد من المقاطعات الأخرى، اتجه الخطاب إلى دعم موقف كندي موحد وحماية الشركات المحلية. وبحلول الأحد، كان رؤساء حكومات في كيبيك ونيو برونزويك وبرنس إدوارد آيلاند يدعون السكان مجددًا إلى شراء المنتجات الكندية والمحلية مع اتساع النزاع التجاري.

 

لكن هذه الجبهة ليست كتلة واحدة، وهنا تظهر حدود وصف ما يحدث بأنه "إجماع وطني".

 

رئيسة وزراء ألبرتا دانييل سميث أعربت عن خيبة أمل عميقة لفشل التوصل إلى اتفاق، وحذرت من أن الرسوم والرسوم المضادة تضر بالشركات والعمال والأسر على جانبي الحدود. موقفها لا يعني قبول الشروط الأمريكية، لكنه يعكس قلقًا أكبر من استمرار الحرب التجارية ورغبة في العودة إلى علاقة تجارية بلا رسوم.

 

وهكذا، فإن الخط الذي يجمع كارني وبويليفر وفورد وعددًا من القادة الكنديين أضيق مما قد يبدو للوهلة الأولى، لكنه في الوقت نفسه أكثر أهمية سياسيًا: هناك استعداد لرفض اتفاق يعتبرونه غير متوازن، من دون اتفاق كامل على ما ينبغي فعله بعد الرفض.

 

وهذا يمنح كارني شيئًا يحتاجه أي رئيس حكومة يدخل مواجهة تجارية غير متكافئة مع اقتصاد أكبر بكثير: مساحة سياسية في الداخل. فواشنطن لا تتعامل الآن مع قرار يستطيع خصوم كارني استخدامه ببساطة لإضعافه والضغط عليه للعودة سريعًا إلى التفاوض. حتى المعارضة الرئيسية تقول إن عدم توقيع صفقة سيئة كان مقبولًا من حيث المبدأ.

 

لكن هذه المساحة ليست مفتوحة بلا حدود. كلما طال النزاع وبدأت الرسوم تظهر في أسعار السلع، وطلبات المصانع، وساعات العمل والوظائف، سيتغير السؤال السياسي. عندها لن يكفي للحكومة أن تقول إنها رفضت اتفاقًا سيئًا؛ سيكون عليها أن تثبت أن البديل الذي اختارته أقل كلفة، وأن الدعم الموعود للشركات والعمال يصل بالفعل إلى من يحتاج إليه. كارني نفسه أقر بأن بعض الإجراءات المضادة سترفع تكاليف وتقلل خيارات أمام المستهلكين الكنديين.

 

لهذا ربما يكون من المبكر قراءة المواقف الحالية باعتبارها انتصارًا سياسيًا لكارني. الأدق أنها منحت قراره شرعية داخلية أوسع في لحظة حرجة، لكنها رفعت أيضًا سقف ما سيطلب منه إثباته لاحقًا.

 

فالخصوم الذين يقفون معه اليوم في رفض الصفقة هم أنفسهم القادرون غدًا على مساءلته عن الثمن، وعن تفاصيل العرض الذي رفضه، وعن البديل الذي أعده لكندا.

 

وهنا تحديدًا تظهر الصورة الكندية الأكثر أهمية في هذه الأزمة: ليس اختفاء الخلاف السياسي، وإنما قدرة أطراف مختلفة على الالتقاء عند خط أحمر، ثم العودة إلى الاختلاف حول أفضل طريقة للدفاع عنه.

 

وإذا كان هذا التقارب يمنح أوتاوا موقفًا أكثر تماسكًا أمام واشنطن اليوم، فإن استمراره سيتوقف في النهاية على النتائج، لا على الشعارات. الاختبار الحقيقي لم يعد فقط ما إذا كان قرار مغادرة الطاولة صحيحًا، بل ما إذا كانت كندا تستطيع العودة إليها لاحقًا بشروط أفضل، أو بناء بدائل تقلل الكلفة على مواطنيها إذا لم يحدث ذلك.