رضوى نصر.. مهاجرة مصرية تدور بالتنورة خارج الصندوق
- بقلم Tahani Elghazaly
- نشر في
حين تبدأ رضوى نصر الدوران، لا تتحرك التنورة وحدها. تتسع دوائر اللون حولها، وتتحول قطعة من التراث المصري إلى مشهد يحمل معه شيئًا من الحنين، وشيئًا من الجرأة، وكثيرًا من الرغبة في أن تقول امرأة مهاجرة: يمكن للهوية أن تسافر معنا، لكن ليس بالضرورة أن تبقى كما تركناها.
في كندا، حيث تتجاور الثقافات وتبحث كل جماعة مهاجرة عن لغتها الخاصة للتعريف بنفسها، اختارت رضوى لغة غير مألوفة. لم تتجه إلى الحكايات التقليدية عن الوطن، ولم تكتفِ بارتداء الزي الشعبي في مناسبة عابرة، وإنما دخلت إلى واحد من أكثر أشكال الأداء ارتباطًا بالدوران الصوفي والتنورة، وجعلت منه مساحتها الخاصة للتعبير.
وهنا تحديدًا تصبح قصتها مختلفة.
فالهجرة بالنسبة إلى كثير من النساء تبدأ بسؤال عملي: كيف يمكن بناء حياة جديدة؟ أما رضوى، فقد أضافت إليه سؤالًا آخر: ماذا يمكن أن أصنع هنا بشيء أحمله أصلًا بداخلي؟
وكانت الإجابة هي التنورة.
لم تصل رضوى إلى هذا الفن من بوابة الاحتراف التقليدي في الرقص. خلفيتها بعيدة تمامًا عن ذلك؛ درست العلوم وعملت في التعليم، لكن اهتمامها بالفنون كان حاضرًا حتى في الطريقة التي كانت تستخدم بها الحركة والتعبير لتقريب الأفكار العلمية. ومع انتقالها خارج مصر واتساع تجربتها الشخصية، بدأت علاقتها بالدوران تأخذ شكلًا مختلفًا.
كان انجذابها إلى التصوف وإلى تجربة جلال الدين الرومي وفلسفة الدوران جزءًا أساسيًا من هذا التحول. لم ترَ في الدوران مجرد حركة متكررة تحتاج إلى توازن وقدرة جسدية، بل فعلًا يحمل بالنسبة إليها معنى روحيًا: حركة يتخفف فيها الإنسان مما يثقله، بينما تتجه الروح إلى مساحة أكثر صفاء.
ولهذا، عندما تقدم رضوى التنورة أمام جمهورها اليوم، فهي لا تتعامل معها باعتبارها استعراضًا بصريًا فقط.
الألوان مهمة، والموسيقى مهمة، واتساع التنورة في أثناء الدوران جزء من سحر المشهد، لكن ما يشغلها أكثر هو المعنى الموجود خلف الحركة نفسها. كيف يمكن لجسد يدور في المكان أن يحكي عن فكرة؟ وكيف يستطيع عرض يستمر دقائق أن يفتح نافذة لدى شخص لم يعرف من قبل شيئًا عن هذا الجزء من الثقافة المصرية؟
في مجتمع متعدد الثقافات مثل كندا، تأخذ هذه الأسئلة معنى إضافيًا.
الجمهور الذي يقف أمام رضوى ليس بالضرورة جمهورًا عربيًا يعرف التنورة مسبقًا، ولا يعرف جميع الرموز المرتبطة بها. بعض الحاضرين يشاهدونها للمرة الأولى. وهنا تصبح مهمة الفنانة المهاجرة أكثر تعقيدًا: أن تقدم تراثها بطريقة تحافظ على روحه، وفي الوقت نفسه تسمح لمن ينتمي إلى ثقافة أخرى بأن يدخل إليه.
وربما لهذا لم تتعامل رضوى مع التراث باعتباره شيئًا جامدًا يجب نسخه كما هو.
فهي تستلهم أشكالًا مختلفة من الفنون الشعبية المصرية، وتستخدم الألوان والزخارف والإيقاع والحركة لتخلق عرضًا يستطيع أن يعيش خارج المكان الذي وُلد فيه. لا تحاول أن تجعل الجمهور الكندي مصريًا لبضع دقائق، بل تمنحه فرصة لأن يرى مصر من زاوية لا تقدمها نشرات الأخبار ولا الصور السياحية المعتادة.
لكن في تجربتها بعدًا آخر يصعب تجاهله: أنها امرأة اختارت فنًا ظل حضوره الأشهر مرتبطًا بصورة الرجل الذي يدور بالتنورة.
وهنا يظهر معنى «الخروج من الصندوق» في قصتها.
رضوى لم تدخل إلى هذه المساحة وهي تحاول تقليد نموذج موجود؛ دخلتها بصورتها هي. امرأة، مهاجرة، صاحبة خلفية علمية وتعليمية، قررت أن يصبح جسدها في أثناء الدوران وسيلة لحمل حكاية ثقافية إلى جمهور جديد.
وهذا ربما أحد أكثر جوانب قصتها أهمية بالنسبة إلى تجارب النساء في المهجر.
فالنجاح لا يأتي دائمًا في صورة وظيفة أكبر أو منصب أعلى أو مشروع تجاري ناجح. أحيانًا يكون النجاح هو أن تخلق المرأة لنفسها مكانًا لم يكن موجودًا قبل أن تصل إليه.
هناك نساء مهاجرات يدخلن مجالات جديدة، وأخريات يغيّرن المهن التي بدأن بها حياتهن، وبعضهن يكتشفن في المهجر جانبًا من أنفسهن لم تتح لهن الظروف السابقة فرصة اختباره. وقصة رضوى تنتمي إلى هذا النوع الأخير؛ لم تتخلَّ عن جذورها لكي تجد مكانها في المجتمع الجديد، بل عادت إلى الجذور نفسها، واختارت منها عنصرًا ربما لم يكن أحد يتوقع أن يصبح طريقها.
وبين العلم الذي بدأت منه، والدوران الذي وصلت إليه، تبدو المسافة كبيرة. لكنها بالنسبة إليها ربما ليست بهذه الدرجة من التناقض. فكل منهما يقوم على البحث والفهم والحركة ومحاولة اكتشاف ما وراء الشكل الظاهر.
والتنورة نفسها تحمل هذه المفارقة الجميلة.
الراقصة تدور في المكان مرارًا، لكنها لا تبقى في النقطة نفسها بالمعنى الإنساني. كل دورة تبدو كأنها عودة إلى البداية، بينما هي في الحقيقة استمرار للرحلة.
وهو وصف يصلح أيضًا للهجرة.
نبتعد آلاف الكيلومترات عن المكان الأول، ثم نقضي سنوات نحاول أن نفهم أي جزء منه بقي داخلنا، وأي جزء تغير، وما الذي نريد أن نورثه للجيل الذي سيأتي بعدنا.
رضوى نصر اختارت أن تجيب عن هذه الأسئلة وهي تدور.
وحين تتسع التنورة حولها أمام جمهور في كندا، لا يعود المشهد مجرد رقصة مصرية انتقلت إلى بلد آخر، بل يصبح صورة لامرأة أخذت من تراثها شيئًا قديمًا جدًا، ثم امتلكت الشجاعة لتقدمه بصوتها هي.
ربما لهذا لا تدور رضوى بالتنورة فقط؛ إنها تدور خارج الصندوق الذي كان من المفترض أن تبقى داخله.
قد يعجبك أيضًا
Authors
-
Tahani Elghazaly5098 المقالات
منشورات شائعة
-
حين ينخفض الوزن… لكن الجس...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 23, 2026
-
إيران تربط فتح مضيق هرمز...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 23, 2026
-
100 مليون دولار من متبرع...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 23, 2026
-
درون طبي قد يسبق الإسعاف...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 23, 2026
النشرة البريدية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على أحدث التحديثات!