الوضع المظلم
كارني في السعودية اليوم… كندا تفتح باباً اقتصادياً جديداً بعيداً عن ضغط واشنطن

كارني في السعودية اليوم… كندا تفتح باباً اقتصادياً جديداً بعيداً عن ضغط واشنطن

شارك
Latest news on WhatsApp أجدد الأخبار على واتساب

 

في زيارة تحمل أبعاداً سياسية واقتصادية واضحة، وصل رئيس الوزراء الكندي مارك كارني إلى السعودية، في أول زيارة يقوم بها رئيس وزراء كندي إلى المملكة منذ 26 عاماً، وسط محاولة من أوتاوا لفتح مسارات جديدة للتجارة والاستثمار بعيداً عن الاعتماد شبه الكامل على السوق الأميركي.

 

وتأتي الزيارة في توقيت حساس بالنسبة لكندا، مع تصاعد الضغوط التجارية من واشنطن، واستمرار القلق من الرسوم الأميركية ومستقبل اتفاقية التجارة بين كندا والولايات المتحدة والمكسيك. ولذلك تبدو محطة السعودية أكثر من مجرد زيارة بروتوكولية؛ فهي جزء من تحرك أوسع تقوده حكومة كارني لإعادة توزيع أوراق كندا الاقتصادية في عالم أقل استقراراً وأكثر تنافساً.

 

وبحسب بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء، تمتد زيارة كارني إلى السعودية من 8 إلى 10 يوليو 2026، بعد مشاركته في قمة الناتو في تركيا. ومن المقرر أن يلتقي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وأن يشارك في منتدى الاستثمار الكندي السعودي، إضافة إلى مراسم توقيع مرتبطة بتوسيع التعاون بين البلدين.

 

وتضع أوتاوا على طاولة الزيارة ملفات متعددة، من بينها الطاقة، المعادن الحرجة، الدفاع، البنية التحتية، الذكاء الاصطناعي، التكنولوجيا النظيفة، الزراعة، السياحة، والاستثمار. وهي قطاعات تعكس رغبة كندية في جذب رأس المال الخليجي إلى مشاريع استراتيجية، وفي الوقت نفسه فتح أسواق جديدة أمام الشركات الكندية في منطقة تملك وزناً مالياً وسياسياً متزايداً.

 

اللافت أن الزيارة تأتي بعد سنوات من التوتر بين كندا والسعودية، خاصة عقب الأزمة الدبلوماسية التي اندلعت عام 2018 على خلفية انتقادات كندية لسجل حقوق الإنسان في المملكة، قبل أن تعود العلاقات الكاملة بين البلدين في عام 2023. لذلك تحمل زيارة كارني رسالة سياسية واضحة: أوتاوا تريد تجاوز مرحلة البرود الدبلوماسي، والانتقال إلى علاقة أكثر واقعية تقوم على المصالح الاقتصادية والأمنية.

 

لكن هذا التحول لا يخلو من حساسية. فالسعودية لا تزال محط نقاش دولي بسبب ملفات حقوق الإنسان، كما أن ولي العهد محمد بن سلمان ظل شخصية مثيرة للجدل دولياً منذ مقتل الصحافي جمال خاشقجي عام 2018. ومع ذلك، يبدو أن حكومة كارني تتحرك بمنطق مختلف، يقوم على أن المصالح التجارية والأمنية أصبحت أكثر إلحاحاً في ظل عالم مضطرب، من الحرب في الشرق الأوسط إلى اضطراب سلاسل الإمداد وأسواق الطاقة.

 

بالنسبة لكندا، تمثل السعودية ثاني أكبر شريك تجاري لها في الخليج، وبلغ حجم التجارة الثنائية بين البلدين نحو 3.5 مليار دولار في عام 2025، وفق بيانات الشؤون العالمية الكندية. وهذا الرقم يمنح الزيارة بعداً عملياً، خصوصاً مع سعي السعودية نفسها إلى تنويع اقتصادها وتقليل الاعتماد على النفط ضمن مشاريعها الاقتصادية الكبرى.

 

في الخلفية، لا يمكن فصل الزيارة عن العلاقة المعقدة بين كندا والولايات المتحدة. فواشنطن لا تزال السوق الأكبر والأهم للصادرات الكندية، وتشير بيانات وتقارير تجارية إلى أن الولايات المتحدة تستحوذ على قرابة 70% من صادرات كندا. لذلك لا تستطيع أوتاوا الاستغناء عن السوق الأميركي، لكنها تحاول تقليل هشاشتها أمام أي قرارات مفاجئة من البيت الأبيض، خاصة ما يتعلق بالرسوم والقيود التجارية.

 

ومن هنا تأتي أهمية زيارة كارني للسعودية. فهي ليست إعلاناً عن ابتعاد كندا عن أميركا، بل محاولة لبناء شبكة أوسع من الشراكات، بحيث لا تبقى كندا محصورة في نافذة اقتصادية واحدة. فكلما زادت علاقات أوتاوا مع الخليج وآسيا وأوروبا، أصبحت أكثر قدرة على التفاوض مع واشنطن من موقع أقل ضعفاً.

 

وتبدو الرسالة الأساسية من الزيارة أن كندا تدخل مرحلة جديدة في سياستها الخارجية الاقتصادية: مرحلة تقوم على البراغماتية، وتنويع الشركاء، وربط التجارة بالأمن والطاقة والتكنولوجيا. أما السعودية، فتبحث بدورها عن شركاء غربيين جدد في قطاعات الاستثمار والمعادن والتقنية، بما يتماشى مع خطتها للتحول الاقتصادي.

 

وبين حسابات التجارة وملفات حقوق الإنسان ومخاوف الرسوم الأميركية، تفتح زيارة كارني إلى جدة صفحة جديدة في العلاقات الكندية السعودية، لكنها أيضاً تختبر قدرة كندا على الموازنة بين قيمها المعلنة ومصالحها الاقتصادية في عالم لم يعد ينتظر الدول المترددة.