الوضع المظلم
كارني من هاليفاكس إلى أنقرة.. كندا ترفع ملف الدفاع قبل قمة الناتو

كارني من هاليفاكس إلى أنقرة.. كندا ترفع ملف الدفاع قبل قمة الناتو

شارك
Latest news on WhatsApp أجدد الأخبار على واتساب

 

يبدأ رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، اليوم الاثنين، تحركه نحو قمة الناتو من هاليفاكس، في اختيار يحمل دلالة سياسية واضحة: الحكومة تريد أن تربط حديثها عن الدفاع بموقع عسكري وبحري حساس، قبل أن تدخل اجتماعات أنقرة حيث لن يكون السؤال المطروح على كندا هو ما إذا كانت تؤيد أمن الحلف، بل إلى أي مدى تستطيع أن تدفع ثمن هذا الالتزام وتترجمه إلى قدرات حقيقية.

 

وتأتي محطة هاليفاكس قبل قمة الناتو المقررة في أنقرة يومي الثلاثاء والأربعاء، حيث يتوقع أن يتركز النقاش بين قادة الدول الأعضاء على الإنفاق الدفاعي، وتوسيع الإنتاج العسكري، وتخفيف اعتماد الحلفاء على الولايات المتحدة في حماية أوروبا. وذكرت رويترز أن القمة تنعقد وسط ضغوط أميركية واضحة على أوروبا وكندا لتحمل مسؤولية أكبر داخل الحلف، مع تركيز خاص على تنفيذ هدف الإنفاق الدفاعي البالغ 5% من الناتج المحلي بحلول عام 2035.

 

اختيار هاليفاكس ليس تفصيلاً شكلياً في هذا السياق. فالمدينة تمثل الواجهة الأطلسية لكندا، ومنها يصبح ملف الدفاع أقرب إلى قضايا السيادة البحرية، وحماية الشمال، وأمن الممرات الاستراتيجية، لا مجرد رقم في ميزانية أو تعهد أمام الحلفاء. ومن هنا تبدو الزيارة محاولة لربط ما ستقوله أوتاوا في أنقرة بما تحتاج إلى إثباته على الأرض: أن زيادة الإنفاق ستذهب إلى قدرات فعلية، لا إلى عناوين سياسية مؤقتة.

 

وتشير المعطيات المتاحة إلى أن كارني يدخل القمة وهو يحاول نقل كندا من موقع الدفاع عن سجلها السابق في الناتو إلى موقع تقديم نفسها كحليف بدأ يتحرك. فقد نقلت The Canadian Press أن كارني سيغادر إلى أنقرة لحضور أول قمة للناتو تستضيفها تركيا، وأن الحكومة ستعرض تقدمها في رفع الإنفاق الدفاعي، بينما قال الأمين العام للناتو مارك روته إن الدول الأعضاء مطالبة بتقديم خطط “موثوقة” للوصول إلى الالتزام الجديد.

 

لكن هذا التحول يضع الحكومة أمام اختبار داخلي لا يقل صعوبة عن اختبارها الخارجي. فرفع الإنفاق الدفاعي قد يحسن موقع كندا داخل الناتو، لكنه يفرض على أوتاوا شرح الكلفة للكنديين في وقت ما زالت فيه ملفات المعيشة والسكن والخدمات تضغط على الرأي العام. ولذلك فإن أهمية خبر هاليفاكس لا تكمن في حركة رئيس الوزراء، بل في ما تكشفه عن تغير أولويات الحكومة: الأمن والدفاع يعودان إلى قلب السياسة الاقتصادية والمالية، وليس فقط إلى أجندة وزارة الدفاع.

 

ويزيد ملف الغواصات من ثقل هذا التحول. فقد أفادت رويترز، نقلاً عن The Globe and Mail، بأن كندا اختارت شركة TKMS الألمانية لبناء 12 غواصة للبحرية الكندية، في قرار يُنتظر أن يسبق مشاركة كارني في القمة. وذكرت رويترز أن مكتب رئيس الوزراء لم يرد فوراً على طلب للتعليق، وأن كارني كان مقرراً أن يدلي بإعلان أمني في هاليفاكس بعد ظهر اليوم.

 

هذا الربط بين هاليفاكس والغواصات وقمة أنقرة يمنح الخبر معناه الحقيقي. فالغواصات ليست صفقة دفاعية منفصلة، بل جزء من سؤال أكبر يواجه كندا: كيف تحمي دولة ذات سواحل شاسعة ومصالح في الأطلسي والقطب الشمالي نفسها في مرحلة تتراجع فيها الضمانات التقليدية وتزداد فيها المنافسة بين القوى الكبرى؟ وإذا صح اختيار العرض الألماني، فذلك سيعني أيضاً تعميقاً للارتباط الدفاعي مع أوروبا في لحظة يطلب فيها الناتو من أعضائه أن يبنوا قدراتهم لا أن ينتظروا الحماية من واشنطن وحدها.

 

وبحسب بيان مكتب رئيس الوزراء الصادر قبل الزيارة، سيشارك كارني في قمة أنقرة ضمن أجندة تشمل تعميق الشراكات الدفاعية والتكنولوجية والتجارية، قبل الانتقال لاحقاً إلى السعودية. البيان قدّم التحرك بوصفه جزءاً من استجابة كندية لـ“عالم أكثر خطورة وانقساماً”، وهي صياغة تعكس محاولة الحكومة إدخال الدفاع في صلب السياسة الخارجية والاقتصادية معاً.

 

في المحصلة، لا يذهب كارني إلى أنقرة حاملاً ملفاً دفاعياً فقط، بل حاملاً سؤالاً عن مكانة كندا داخل الحلف. فالحلفاء يريدون أرقاماً وخططاً وقدرات، والداخل الكندي يريد ضمانات بأن الزيادة الدفاعية لن تتحول إلى فاتورة مفتوحة بلا عائد واضح. بين هذين الضغطين، تصبح هاليفاكس بداية سياسية محسوبة: رسالة بأن كندا تريد أن تُرى كحليف أكثر جدية، وأن أمنها البحري والعسكري بات جزءاً من تعريفها الجديد لدورها الدولي.