نافذة حسنية
- بقلم Tahani Elghazaly
- نشر في
بقلم الكاتبة أميمة عبدالعزيز
كل صباح، وفي التوقيت نفسه، كانت حسنية تقف عند نافذتها الضيقة في القرية. لم تكن تلك النافذة مجرد فتحة صغيرة في جدار قديم، بل كانت عالمها الكامل. فأسوار بيت أسرتها المتشددة كانت أعلى من أن تتخطاها بأحلامها، وأقسى من أن تهرب منها بجسدها.
وفي ذلك التوقيت بالضبط، كان يمر هو.
رجل طويل القامة، يرتدي معطفًا داكنًا يرفرف خلفه كأنه جناحان، ويمشي بخطوات ثابتة ومدروسة، كأنه يحسب كل حركة قبل أن يخطوها. كانت تلك هي لحظة حسنية السحرية.
لم يكن في عينيها مجرد رجل عادي يذهب إلى عمله. لا. في خيال حسنية الواسع، كان بطلًا مختلفًا كل يوم.
في يوم ممطر، رأت قطرات الماء تنساب على يديه، وتخيلت فراءً كثيفًا يظهر فوق جلده، فقررت أنه "الرجل الذئب" الذي يخفي أسراره تحت قناع الإنسان العادي.
وفي يوم مشمس، رأت أشعة الشمس تسقط على نظارته الداكنة فتحجب عينيه، فتخيلت أنه "سوبرمان" الذي يخفي قواه الخارقة ويتنكر في هيئة موظف بسيط.
وفي يوم آخر، لاحظت دقة انتباهه وهو يتفادى بركة ماء ببراعة، فنسجت حوله قصة "المحقق كونان" الذي يتتبع لغزًا غامضًا في قريتهم الهادئة.
كانت تنتظر هذه اللحظة كل صباح، لا لتراه فقط، بل لتهرب من رتابة حياتها. كانت تملأ عالمها الصغير بالمغامرة والخيال، وتمنح أيامها الضيقة اتساعًا لا يراه أحد. كان هو شخصيتها الخيالية التي لا تملكها في الواقع.
ذات صباح، بينما كانت تتابعه بعينين شغوفتين وهو يعبر الشارع، خرجت سيارة مسرعة من منعطف ضيق.
اصطدمت به بقوة.
سقط على الإسفلت. تطايرت الأوراق التي كان يحملها في كل اتجاه، وسقطت نظارته على الأرض وانكسرت.
صرخت حسنية من خلف النافذة، وقلبها يخفق بعنف. رأت الناس يهرعون إليه. رأته يحاول النهوض بصعوبة، يمسك خاصرته ويتألم. رأت دموعه وهو يبحث عن نظارته المكسورة، وسمعت صوته المرتبك يقول:
"عملي... أوراقي... سيطردونني!"
في تلك اللحظة، تحطمت كل الأساطير.
لم يكن هناك رجل ذئب، ولا بطل خارق، ولا محقق عبقري. كان مجرد رجل عادي، خائف، ضعيف، يرتجف قلبه مثل قلبها، ويخاف على رزقه البسيط مثل أي إنسان.
شاهدت كيف ساعده الناس، وكيف وقف على قدميه متألمًا، ثم مشى بعيدًا، تاركًا خلفه أوراقًا ممزقة ونظارة محطمة.
أطالت حسنية النظر إلى الشارع الفارغ، ثم أدارت ظهرها للنافذة للمرة الأولى دون أن تنتظر نهاية المشهد. نظرت حولها في غرفتها الضيقة، ثم عادت تنظر إلى النافذة من جديد.
في اليوم التالي، وفي التوقيت نفسه، جلست حسنية عند نافذتها. لم يمر الرجل. ربما كان لا يزال يتعافى من جراحه. لكن عينيها لم تعودا تبحثان عنه وحده.
بدأت تتأمل المارة الآخرين: ساعي البريد العجوز الذي كان ينحني ليلمس رأس كل قطة تمر بجانبه، والفتاة الصغيرة التي كانت تقفز فوق بلاطات الرصيف كأنها تلعب لعبة لا يرسمها سواها، والبائع المتجول الذي كان يغني بصوت خافت وهو يدفع عربته.
ابتسمت حسنية.
كان العالم خارج النافذة ممتلئًا بالشخصيات، ومليئًا بالقصص التي تنتظر من ينسجها. أبطالها الجدد كانوا هناك، يمرون كل يوم. وكل ما كان عليها فعله هو أن تنظر.
قد يعجبك أيضًا
Authors
-
Tahani Elghazaly5098 المقالات
منشورات شائعة
-
«قصص عبر الحدود».. السينم...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 22, 2026
-
أربع عمليات سحب في كندا ت...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 23, 2026
-
حين ينخفض الوزن… لكن الجس...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 23, 2026
-
CRA تضيف خطوة تحقق جديدة...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 23, 2026
النشرة البريدية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على أحدث التحديثات!