الوضع المظلم
نفذ الشعاع بالتابوت لأميمة عبدالعزيز.. حين تكتشف المرأة أنها تستطيع الصعود وحدها

نفذ الشعاع بالتابوت لأميمة عبدالعزيز.. حين تكتشف المرأة أنها تستطيع الصعود وحدها

شارك
Latest news on WhatsApp أجدد الأخبار على واتساب

 

بقلم الأديبة أميمة عبد العزيز

من المجموعة القصصية "خارج نطاق الزمن"

 

أحيانًا لا نخسر أنفسنا في لحظة واحدة، بل نتنازل عنها بالتدريج.

خطوة وراء خطوة، نصمت حتى لا نغضب من نحب، نتراجع حتى نترك له المساحة، ونقنع أنفسنا بأن نجاحه نجاح لنا، إلى أن يأتي يوم ننظر فيه حولنا فلا نجد من حياتنا القديمة شيئًا.

 

لكن ماذا يحدث عندما يرحل ذلك الشخص فجأة، ويتركنا وحدنا أمام حياة لم نعد نعرف كيف نعيشها؟

في "نفذ الشعاع بالتابوت"، تضعنا الأديبة أميمة عبدالعزيز أمام امرأة جعلت زوجها محور عالمها عشر سنوات، حتى فقدت استقلالها وعلاقاتها وثقتها بقدراتها. وحين سقط ذلك العالم، لم تجد أمامها سوى طريق يبدو في بدايته أكثر قسوة من الخسارة نفسها: أن تبدأ من جديد.

 

إنها حكاية عن السقوط، لكنها في جوهرها حكاية عن اللحظة التي تكتشف فيها المرأة أن السلم الذي اعتادت أن يقف عليه الآخرون يمكن أن يصعد بها هي أيضًا إلى القمة.

وهنا تبدأ رحلتنا الثانية مع "خارج نطاق الزمن".

 

 

درجات السلم لا تستقر تحت أقدامي، أتمسك بالدرابزين بشدة.. أنفاس متلاحقة، أحاول اللحاق به، وهل يكترث إن فعلت؟!

ترك كل شيء خلفه، يغضب كثيرًا ولكن هذه المرة، لم يغفر لي..

 

طار عقل (مها)، فقدت قدمها الإحساس، استمرت بالضغط على البنزين، انقلبت السيارة، غابت عن الوعي:

  • عامر.. عامر.. لماذا تهرب مني، ماذا فعلت لكل هذا! كيف أغير من طباعي! أنت تطلب المستحيل.

أرجوك لا تتركني هكذا.. عامر.. عامر.. لا تدفعني، أنا أقف على حافة الهاوية، اتركني، ماذا تفعل! سأسقط.

 

  • أفيقي يا مدام، لا تخافي أنت بأمان، قد زال الخطر..
  • آه رأسي.. ماذا حدث.. أين أنا؟ من أنتم؟
  • أنت بالمشفى على إثر حادث انقلاب سيارتك، وارتطامها في شجرة.. أرجوك الهدوء قدر الإمكان فقد أصبت بارتجاج بالمخ.

مرت ثلاثة أيام على الحادث، بالتأكيد لن أستطيع اللحاق به انتهى الأمر.. غادر إلى موسكو، حان وقت الصمت، بعد أن فقدت الحروف معناها..

 

اليوم الثالث على رحيله ومازلت أحيا، عشر سنوات لم أتخذ قرارًا، لم تعد الحياة بالنسبة لي سوى (عامر) رغباته ونجاحاته، ما يحب ويكره، لقد فنيت ليقف على قمة الجبل، حتى قذف بي إلى الهاوية.

 

أشعر بالتجمد كأني محاصرة داخل مكعب ثلجي في عمق المحيط، عشر سنوات جمعتنا في بيت واحد، أوصدت أبوابي عليه، لم أنظر يومًا إلى مرآتي لأكتشف ذاتي، ارتضيت أن أقف خلفه، كان نجاحي هو نجاحه.

 

أول ما رأيته شعرت بانجذاب نحوه، رأيته رجلًا وسيمًا، أنيقًا، طموحًا، ميسور الحال، كان يعمل في مجال السياحة يدرس الدكتوراه في الاقتصاد، حضر مع صديق والدي لأنه يبحث عن عروس جميلة مثقفة، من عائلة طيبة.

 

كان زواجنا حلمًا لم يكتمل، اتخذته حبيبًا واتخذني سلمًا، بدأت الخلافات البسيطة حتى تلبدت سماؤنا بغيوم قاتمة، تراكمات السنين.

 

  • (عامر) أشعر أنك لست على ما يرام؟
  • ألا تعلمين السبب! ألم أطلب منك عدة مرات التزام الصمت عند لقاء أصدقائي.
  • نعم طلبت لكن لم أستطع! الكل يتحدث، أردت أن أشترك برأيي في الحديث والكل أثنى عليه.

إنهم يجاملوك لكونك زوجتي فقط.. لقد ضقت ذرعًا.. غدًا أسافر إلى موسكو وحدي، هناك ألتقي بكبار الشخصيات، ولن أحتمل أي أخطاء في تلك المقابلات.. ربما يطول غيابي، لا أعلم إلى متى.

  • (عامر)! ماذا تريد أن تقول، هل لم أعد أليق بك بعد المنصب الجديد؟ قلها صراحة.
  • لا بد من النوم الآن.. فلدي يوم شاق.

 

نام هو وتركني للأرق يمزقني، هل هذه النهاية، وإذا كانت، ما مصيري بعد انعزالي عن العالم كله إرضاءً له، يلفظونني إن اقتربت الآن.. لا بد من المحاولة.. أستيقظ قبله، أتوسل إليه وأقسم أنني لن أتفوه بكلمة.

  • مدام (مها).. مبروك! الدكتور صرح بخروجك غدًا بعد مروره صباحًا، أرجو أن تتصلي بأحد أقاربك لمساعدتك لأنه يجب الراحة التامة لمدة أسبوع آخر.
  • أخرج! لا عليك، لم يتبق لي أحد، أسقطهم جميعًا في الهاوية، سأذهب وحدي إلى المنزل وسأعتني بنفسي جيدًا كما أجدت الاعتناء بالآخرين.

تسارعت عجلة الزمن مع تباطؤ عقارب ساعة الحائط في بيتها، تأكدت من رحيله إلى الأبد، كان الاكتئاب سيد المشهد، محاولات يائسة للخروج من دائرته.

 

مع تناقص ما لديها من نقود، كاد رصيدها ينفد، خرجت (مها) تبحث عن عمل لأول مرة في حياتها، خرجت بعد أن تعدت الأربعين بشهور قليلة، قابلت كثيرًا من الوجوه، حاولت الخروج من الهاوية، لم تجد ما يليق بها، وجدت ما يليق بمن فرطت في حق نفسها.

 

عملت سكرتيرة في مصنع (إبراهيم بيه) الذي استغل حاجتها للعمل بأن تقوم بدور عاملة النظافة والبوفيه للضيوف وللموظفين، بالرغم من مؤهلها العالي وثقافتها، ولم تستطع الرفض أو الاعتراض.

 

كعادتها عملت في صمت، برغم الألم النفسي والجسدي، تفانت في عملها، حملت أعباء كثيرة على كتفيها بكل رضا، حتى تعلمت كل صغيرة وكبيرة، قابلت العديد، الطيب والخبيث.

 

ألوانًا من البشر، غيرت نظرتها المنغلقة للحياة، واستطاعت كسب محبة الجميع بنزعة الأمومة الغالبة على مشاعرها وردود أفعالها.

 

عاد (عمار) يبحث عنها، بعد أن فشل في إيجاد من تعطيه عمرها وقلبها، حاول أن يضمها إلى صدره، لفظته من أحشائها، فقد بات غريبًا عنها.

 

مرت الشهور، مرضت (مها)، لم تقوَ على العمل، أقعدها المرض عدة أيام، شعر (إبراهيم بيه) بارتباك العمل بغيابها، أدرك أهمية وجودها، خشي أن تترك العمل لصعوبته.

 

عادت بعد أيام لتجد مقعدًا مريحًا في مكان يليق بقلبها الطاهر، أعفيت من مهام التنظيف والبوفيه، وترقيتها إلى مدير مكتب (إبراهيم بيه).

 

لأول مرة شعرت (مها) بنجاحها، أخيرًا نفذ شعاع الشمس من الغيوم، اجتهدت حتى انقشعت الغيوم، ورأت أحلامها نجومًا تسطع في السماء الصافية.

 

شيئًا فشيئًا تعرفت على قدراتها وتأكدت أن أصدقاءه لم يجاملواها، شعرت بثبات أقدامها، عرفت الابتسامة الطريق إلى شفتيها.

 

تنحى (عامر) عن طريقها نهائيًا حين لمح في عينيها بريقًا جديدًا، تأكد أنها لم تعد درجات سلمه الذي يصعد عليه، عندما استطاعت الصعود وحدها إلى القمة.