وجود.. حوار مع البحر بين العدم وأسئلة الحياة في قصة لصابر الجنزوري
- بقلم Tahani Elghazaly
- نشر في
قصة للكاتب صابر الجنزوري من كتاب "آدم في العالم الموازي"
في قصة "وجود"، يأخذنا الكاتب صابر الجنزوري إلى شاطئ يبدو في ظاهره هادئًا، بينما تضطرب في داخله أسئلة الإنسان الكبرى عن الحياة والعدم، البداية والنهاية، والحاجة إلى من يصغي حين تضيق الكلمات بأصحابها.
البحر هنا ليس مجرد خلفية للأحداث، بل يتحول إلى صديق قديم ومرآة لصراعات البطل الداخلية؛ يأتي إليه حين يهجره الآخرون، ويبوح له بما لا يستطيع قوله لأحد. وبين غروب يتقدم ببطء، وامرأة تقرأ على الشاطئ، ينفتح حوار عابر سرعان ما يتجاوز فضول التعارف إلى مواجهة بين رؤيتين للكون: رجل يحمل أسئلته عن العدم، وامرأة ترى نفسها منشغلة بالوجود.
بلغة تأملية وصور تستمد إيقاعها من حركة البحر والغروب، يبني الجنزوري مشهدًا قصيرًا يترك خلفه سؤالًا أكبر من اللقاء نفسه: هل نقرأ الكتب التي تشبهنا، أم أن الكتب هي التي تكشف ما نحاول إخفاءه عن أنفسنا؟
وجود
بينه وبين البحر أسرار وحكايات يرويها له كلما التقى به.
يشتاق إليه كلما ابتعد عنه، فهو صاحبه الكتوم، يزوره في الوقت الذي يرحل فيه الناس عنه، فيأتي إليه في الخريف والشتاء، يأتيه وفي داخله حكايات وأسئلة كثيرة لا أحد غيره سوف يفهمها.
ما أن وصل إلى مكان إقامته حتى ذهب إليه ليلحق لقاءه المفضل بينهما في ساعات الغروب. لم يكن بالشاطئ سوى أسرتين على مسافات متباعدة. الأسرة الأولى، فهم من خلال سلوكها وضحكاتها أنهما عروسان في شهر العسل. والأسرة الأخرى، القريبة منه، كانت لامرأة في العقد الثالث من عمرها. رأى طفلين يمرحان معها، كانت تلعب معهما الكرة التي يتقاذفونها ويمررونها لبعضهم البعض بضربة من مضرب خشبي.
أخذ مقعدًا ومنضدة صغيرة، ووضع عليها حقيبة صغيرة وزجاجة مياه وبعض العصائر وكتابًا أتى به ليكمل قراءته التي بدأها في الليلة السابقة. غاص به المقعد في الرمال، استرخى تمامًا، ثمة صوت يخرج من أعماقه:
لست واحدًا، أنا اثنان، ثلاثة أو أكثر.
دائمًا ما تسحرني أيها البحر بهذا الجمال البديع، ألوان مياهك الزرقاء والفيروزية والفضية، سماؤك النقية الباردة والتصاقها مع الماء عبر الأفق البعيد.
ما زال الصراع قائمًا بين موجك وشاطئك، فلا تعب الموج ولا تحرك الشاطئ. لا جديد يا صاحبي. ليتني أستريح وليت الحياة تقبل استقالتي. إني جد متعب، أتدرك ذلك؟
يجيبه البحر بثورة صاخبة، فيقذف بزبد كثير على الرمال.
اهدأ يا صاحبي ولا تغضب هكذا.
تصبح السماء كأنها بلورة زرقاء صافية تتوسطها كرة ذهبية ترسل أشعتها الكونية ورسائلها إليه. ينصت إليها وكأنه ينصت إلى سيمفونية قدره المحتوم.
يتناول كتابه، لا يلبث أن يقرأ قليلًا، وبغتة يختلس النظرات إلى المرأة الجميلة التي تركت أطفالها يلهون ويلعبون، واسترخت بكامل جسدها ممددة على طاولة تلتصق بالرمال، ممسكة بكتاب تقرؤه ولا تأبه لشيء حولها.
بينما كان العروسان في لحظات الحياة يتمتعان ببهجة الوجود، يكف عن القراءة، يأخذه الفضول نحو المرأة وجذبه لمعرفة الكتاب الذي تقرؤه.
تمضي الدقائق مسرعة مثل كل شيء يمضي ويموت.
ترتدي الشمس ثوبها الأرجواني، تتباعد في الأفق، تصارع السحابات الرمادية التي تهاجمها، فتهرب وتتناور وتبدأ في الاختفاء.
العروسان ما زالا يمرحان، ويبدو أنهما لن يغادرا الشاطئ.
بينما المرأة تنادي أطفالها استعدادًا للمغادرة. يتأهب للذهاب إليها لإشباع فضوله. لمحته قادمًا إليها، لم تكن مفاجأة لها، لحاسة المرأة وفطنتها كبيرة، شعرت بذلك عندما أبصرت نظراته المختلسة.
استقبلته بابتسامة واثقة:
– ها أنا أنتظرك، فماذا تريد؟
بادرها قائلًا:
– ما سر حبك للبحر في هذا الوقت من العام؟
قالت:
– زوار البحر يأتون إليه في الصيف، وأصحابه وعشاقه يأتون إليه في الخريف والشتاء. وأنت؟
أجاب:
– أنا من عشاقه وهو صاحبي، بيننا كثير من الحكايات والأسرار.
قالت ساخرة:
– حكايات وأسرار مرة واحدة؟
قال:
– لكل منا حكاية وسر كبير كالوجود ذاته ولا نجد غير البحر صديقًا نبوح له، الوجود ليس سرًا، ولكنه حكاية عشق.
سألت وأردفت:
– أي عشق في الوجود؟ لا أجد غير العبث والفوضى في الكون.
قال:
– أتحبين الغروب؟
أجابت:
– أحب الشروق وأرى في الغروب روعة النهاية.
وافقها:
– حقًا، روعة النهاية في الغروب، ذلك المشهد الرائع يجبرني دائمًا... الحكاية كبيرة ولا يتسع الوقت لمناقشتها.
واسترسل:
– أتمنى أن أتعرف عليك ونلتقي لنكمل الحوار في المساء؟
ابتسمت في هدوء، تطلعت إلى الكتاب الذي بيده، قرأت العنوان فقرأت مكنون صاحبه.
رمقته بابتسامة خفيفة قائلة:
– لا أظن أننا نستطيع أن نلتقي... أنت تقرأ العدم وأنا أقرأ الوجود.
رمق البحر بنظرة طويلة...
كان قرص الشمس قد اختفى فوق الحاجز الوهمي بين الماء والسماء، بينما الموج ما زال يضرب في الشاطئ.
قد يعجبك أيضًا
Authors
-
Tahani Elghazaly5160 المقالات
منشورات شائعة
-
الامتنان.. كيف تصبح الحيا...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 27, 2026
-
مسؤول السياحة التايلاندية...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 27, 2026
-
قنصلية لبنان في مونتريال...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 27, 2026
-
«الدكان الأسبوعي للكتاب»...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 27, 2026
النشرة البريدية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على أحدث التحديثات!