الوضع المظلم
همسات دافئة… حين تأخرت الشمس في قلبي

همسات دافئة… حين تأخرت الشمس في قلبي

شارك
Latest news on WhatsApp أجدد الأخبار على واتساب

 

استيقظت مبكراً، وما زال الليل يمدّ ستائره الهادئة على السماء. نظرت إلى الساعة، فوجدتها تقترب من السادسة. تعجبت في صمت، وفتحت الشرفة، ثم جلست أنتظر شروق الشمس كمن ينتظر جواباً تأخر كثيراً.

 

راودتني أسئلة صغيرة، لكنها بدت في تلك اللحظة كبيرة: لماذا تأخرت الشمس؟ وكيف لم تشرق في موعدها؟ لكن نسمة فجر رقيقة هبّت فجأة، فمسحت عني الحيرة، وحملتني إلى ذكرى بعيدة كنت أظن أنني طويتها.

 

تذكرت جدتي، رحمها الله. كانت تجلس كل صباح على شرفة بيتها القديم، تنتظر الفجر بلهفة لا تشبه إلا لهفة الصائمين. كنت طفلة أتعجل النور، فتمسح على رأسي وتقول:

“يا صغيرتي، الشمس لا تتأخر… نحن فقط ننسى كيف ننتظرها.”

 

ابتسمت من سذاجة قلقي. لم تكن الشمس قد تأخرت، بل كنت أنا من استيقظت قبل موعدها بنصف ساعة، بعد شهور طويلة اعتدت فيها أن أصحو متأخرة، وأن أترك الصباح يمر من دون أن أراه.

 

أغمضت عيني، فعاد إليّ ذلك الصباح القديم. رأيتني جالسة بجوار جدتي، وأيدينا تحتضن أكواب الشاي الساخن، والندى يلمع على أوراق الياسمين، كأنه لؤلؤ صغير نسيه الليل قبل أن يرحل.

 

كانت تحكي لي عن القرية، عن رجال يصلّون الفجر ثم يمضون إلى حقولهم، وعن نساء يفتحن الأبواب للخبز البلدي ورائحة التراب المبتل. كانت تقول إن الصباح لا يأتي فقط بالضوء، بل يأتي برسالة خفية لمن يعرف كيف يصغي.

وبينما كنت غارقة في تلك الصور الدافئة، تسلل شعاع خفيف من بعيد. رفعت رأسي، فإذا بأول خيط ذهبي يخرج من خلف الأفق، يدفع العتمة بهدوء، لا بعنف. تلالأ النور على واجهات المباني، وتناثر فوق أوراق الشجر، كأنه يوقظ الحياة برفق.

ابتسمت، وتمتمت بكلمات جدتي:

 

“كل صباح هو وعد جديد.”

أخذت شهيقاً عميقاً من هواء الفجر، وشعرت أن شيئاً ثقيلاً في صدري بدأ يلين. لم تكن الذكرى تؤلمني هذه المرة، بل كانت تربت على روحي مثل يد حنونة.

 

حين ارتفعت الشمس قليلاً فوق سطح المدينة، بدت بحمرة خجولة تشبه وجهاً يستحي من جماله. عندها فهمت أن بعض اللحظات لا نحتاج أن نفسرها، بل أن نعيشها فقط.

 

نهضت من كرسيي، وأغلقت الشرفة بهدوء، وأنا أحمل داخلي خيطاً صغيراً من نور. عرفت أنني سأستيقظ غداً قبل الشمس مرة أخرى، لا خوفاً من تأخرها، ولا حيرة في موعدها، بل حباً في تلك اللحظة التي تعيد إلينا ما فقدناه من سكينة.