من السوبرماركت إلى الإيجار.. كيف غيّرت الأسعار حياة النساء اليومية؟
- بقلم Tahani Elghazaly
- نشر في
في السوبرماركت، لا تبدو الأزمة دائمًا في العناوين الكبيرة. تظهر في يدٍ تتردد أمام رف الخضروات، وفي أمّ تعيد عبوة إلى مكانها قبل الوصول إلى صندوق الدفع، وفي سيدة تقارن بين نوعين من الطعام ليس لأن أحدهما أفضل صحيًا، بل لأن الآخر أرخص بدولارين.
ومن هناك، تمتد الأزمة إلى البيت: الإيجار، الفواتير، الحضانة، البنزين، الدواء، ومنتجات العناية الشخصية. لم تعد الأسعار في كندا مجرد ملف اقتصادي، بل أصبحت ضغطًا يوميًا يدخل إلى تفاصيل حياة النساء، خصوصًا من يدِرن ميزانية البيت أو يعِلن أطفالًا أو يعشن على دخل ثابت.
بحسب هيئة الإحصاء الكندية، ارتفع مؤشر أسعار المستهلك في مايو 2026 بنسبة 3.2% على أساس سنوي، بينما زادت أسعار الطعام المشترى من المتاجر بنسبة 4.3%، متجاوزة التضخم العام للشهر السادس عشر على التوالي. وكانت الخضروات الطازجة من أبرز مصادر الضغط، إذ ارتفعت 9%، بينما قفزت أسعار الطماطم وحدها 45.2% بسبب تراجع الإمدادات من المكسيك.
هذه الأرقام لا تبقى داخل التقارير الرسمية. بالنسبة لكثير من النساء، تتحول إلى أسئلة يومية: هل أشتري الخضار الطازجة أم أختار المعلبات؟ هل تكفي الميزانية للبروتين هذا الأسبوع؟ هل أستطيع شراء منتجات العناية بالبشرة، أم أؤجلها مرة أخرى لأن الأولوية للطعام والإيجار؟
وتتسع الأزمة عندما تنتقل من فاتورة الطعام إلى السكن. فرغم أن نمو الإيجارات تباطأ قليلًا في مايو، بقيت الإيجارات أعلى بنسبة 3.5% مقارنة بالعام السابق، وفق بيانات هيئة الإحصاء الكندية. وهذا يعني أن جزءًا كبيرًا من دخل الأسر لا يزال يذهب إلى السكن قبل الوصول إلى أي بند آخر في الميزانية.
في هذا السياق، تقول أم أيمن، وهي أم عزباء بعد انفصالها عن زوجها، إن حياتها المالية تغيّرت بشكل قاسٍ بعد الانفصال. لم تعد تملك المساحة نفسها التي كانت تسمح لها بالاهتمام بنفسها أو شراء ما تحب. تقول:
“بعد أن انفصلت عن زوجي، لم أعد أحصل على رفاهية كافية لنفسي كما كنت في السابق. كل دخلي صار موزعًا بين الفواتير، والإيجار، ومصاريف الحضانة. كل شهر أبدأ الحساب من جديد، وأشعر أنني أعمل فقط كي أغطي الضروريات.”
كلام أم أيمن يفتح بابًا مهمًا في الأزمة: الغلاء لا يضغط على الجميع بالطريقة نفسها. فالمرأة التي تعيل أطفالًا وحدها لا تواجه فقط ارتفاع الأسعار، بل تواجهه وهي تحمل مسؤولية الدخل، والرعاية، والمتابعة، واتخاذ القرارات اليومية وحدها.
وتؤكد بيانات PROOF التابعة لجامعة تورونتو أن 24% من سكان كندا عاشوا عام 2025 داخل أسر تعاني من انعدام الأمن الغذائي، أي نحو 9.8 مليون شخص، بينهم 2.4 مليون طفل. وهذه الأرقام تكشف أن أزمة الطعام لم تعد محصورة في الفئات الأشد فقرًا، بل أصبحت تمس شرائح أوسع من الأسر العاملة.
ولا تنفصل أزمة الطعام عن أزمة الدخل. فوفقًا لهيئة الإحصاء الكندية، كسبت النساء في كندا عام 2025، في المتوسط، 88 سنتًا مقابل كل دولار يكسبه الرجال. هذا الفارق، حتى عندما يبدو صغيرًا على الورق، يصبح كبيرًا عند دفع الإيجار، وشراء الطعام، وتحمل مصاريف الأطفال والرعاية اليومية.
أما أم حنان، وهي سيدة مسنة تعيش على معاش محدود، فترى أن المشكلة لم تعد فقط في ارتفاع الأسعار، بل في غياب القدرة على الادخار لأي أزمة طارئة. تقول:
“ارتفاع الأسعار وقلة المعاش لم يعودا يمنحانني فرصة أن أوفر أي مال. في السابق كنت أحاول أن أترك مبلغًا بسيطًا لأي ظرف، أما الآن فكل شيء يذهب للطعام والفواتير. أخاف من أي مصروف مفاجئ، لأنني لا أملك هامش أمان.”
شهادة أم حنان تعكس وجهًا آخر للأزمة: النساء كبيرات السن. فهذه الفئة لا تستطيع بسهولة زيادة الدخل أو تعويض ارتفاع الأسعار بعمل إضافي. ومع ارتفاع تكاليف الغذاء والدواء والسكن، يصبح المعاش المحدود مساحة ضيقة جدًا بين الضرورة والخوف.
وتشير الحكومة الكندية إلى أن النساء الأكبر سنًا يعتمدن بدرجة أكبر على التحويلات الحكومية كمصدر رئيسي للدخل، وأن دخول النساء المسنات أقل من دخول الرجال المسنين، ما يجعل الصدمات المالية أكثر تأثيرًا عليهن.
ولا يتوقف أثر الغلاء عند الطعام والسكن. هناك خسائر لا تظهر في الفواتير: السفر المؤجل، زيارة الأهل، المناسبات العائلية، الشعور بالانتماء إلى بلد الأم. بالنسبة للمهاجرات، لا يكون السفر دائمًا رفاهية، بل صلة رحم واحتياجًا عاطفيًا عميقًا.
تقول انتصار إن ارتفاع الأسعار حرم أسرتها من القدرة على زيارة أهلها في بلدها الأم. لم يكن القرار سهلًا، لكنه أصبح خارج القدرة المالية. تضيف:
“أشعر بحزن شديد لأن الغلاء حرمنا من زيارة أهلنا. كنا نحلم بالسفر، لكن بعد الإيجار والطعام والفواتير، لا يتبقى ما يكفي لتذاكر الطيران أو مصاريف الزيارة. كل شيء أصبح غاليًا، حتى الحنين صار مكلفًا.”
هذه الجملة تلخص جانبًا إنسانيًا من الأزمة: الغلاء لا يسرق فقط المال، بل يسرق أحيانًا الزيارات، والذكريات، والطمأنينة، وفرصة أن تجلس المرأة مع أمها أو إخوتها في الوطن الأم بعد سنوات من الغربة.
وعندما تكون المرأة مستأجرة، يصبح الضغط أكبر. تقرير مؤسسة الرهن العقاري والإسكان الكندية أظهر أن النساء المستأجرات كن أكثر عرضة للاحتياج السكني الأساسي من الرجال المستأجرين، بنسبة 21.3% مقابل 18.2%. كما كانت الأسر ذات العائل الواحد من النساء أكثر تعرضًا للاحتياج السكني مقارنة بالأسر التي يقودها رجال.
في هذه المعادلة، تبدو بعض الحلول الحكومية مهمة لكنها لا تمحو الأزمة بالكامل. فبرنامج رعاية الطفل في كندا يهدف إلى خفض الرسوم إلى متوسط 10 دولارات يوميًا، وقد ساعد في تخفيف بعض الأعباء، لكن بيانات هيئة الإحصاء الكندية أظهرت في 2025 أن 50% من الآباء الذين يستخدمون رعاية الأطفال قالوا إنهم واجهوا صعوبة في العثور عليها، وكانت المشكلة الأكبر هي العثور على مكان متاح في المجتمع المحلي.
لهذا، فإن حديث أم أيمن عن “الدي كير” ليس تفصيلًا جانبيًا. الحضانة بالنسبة لكثير من النساء ليست خدمة إضافية، بل شرط أساسي للعمل. وإذا ارتفعت تكلفتها، أو صعب العثور على مكان مناسب، تصبح المرأة أمام معادلة قاسية: العمل ضروري للدخل، لكن العمل نفسه يحتاج إلى رعاية أطفال قد لا تكون متاحة أو سهلة.
ومن هنا، لا يمكن النظر إلى الغلاء باعتباره مشكلة حسابية فقط. إنه يعيد تشكيل حياة النساء من الداخل: ماذا يأكل البيت؟ أين يسكن؟ هل تستطيع المرأة أن تعتني بنفسها؟ هل تستطيع أن تدخر؟ هل تستطيع أن تزور أهلها؟ هل تشعر بالأمان أم تعيش في خوف دائم من أي فاتورة مفاجئة؟
كثيرًا ما تُمدح النساء على “حسن التدبير”، لكن التدبير وحده لا يكفي عندما ترتفع الضروريات أسرع من الدخل. المرأة التي تقلل مشترياتها، وتؤجل احتياجاتها، وتعيد ترتيب الأولويات، لا تفعل ذلك لأنها لا تريد حياة أفضل، بل لأنها تحاول إبقاء البيت واقفًا وسط موجة أسعار لا تمنحها مساحة كافية للتنفس.
ومن السوبرماركت إلى الإيجار، تغيّرت حياة نساء كثيرات في كندا. لم تعد الأزمة فقط في أن الأشياء أصبحت أغلى، بل في أن الخيارات أصبحت أضيق. وبين طاولة المطبخ، وصندوق الدفع، وباب الشقة المستأجرة، تدفع النساء ثمنًا لا يظهر دائمًا في الأرقام: قلق مستمر، رفاهية مؤجلة، وحنين صار مكلفًا.
قد يعجبك أيضًا
Authors
-
Tahani Elghazaly5252 المقالات
منشورات شائعة
-
مونتريال تستضيف لقاءً تحض...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 1, 2026
-
13 عملاً في القائمة القصي...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 1, 2026
-
الكبد والحمل.. لماذا تحذّ...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 1, 2026
-
قطر تعرض في تورونتو حصيلة...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 1, 2026
النشرة البريدية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على أحدث التحديثات!