الوضع المظلم
بعد الولادة… لماذا تُترك كثير من الأمهات وحدهن؟

بعد الولادة… لماذا تُترك كثير من الأمهات وحدهن؟

شارك
Latest news on WhatsApp أجدد الأخبار على واتساب

 

 

تخرج الأم من المستشفى وهي تحمل طفلها بين ذراعيها، كأنها عبرت أصعب لحظة وانتهى الأمر. في البيت، يبدأ الجميع بالسؤال عن الرضيع: هل يرضع جيدًا؟ هل ينام؟ هل وزنه مناسب؟ هل يحتاج إلى طبيب؟

 

لكن السؤال الذي يغيب كثيرًا هو الأبسط والأخطر: ماذا عن الأم؟

 

في الأيام الأولى بعد الولادة، تكون المرأة في واحدة من أضعف مراحل حياتها جسديًا ونفسيًا. جسدها لم يتعافَ بعد، نومها متقطع، هرموناتها تتغير بعنف، الرضاعة قد تكون مؤلمة ومربكة، والخوف من المسؤولية يزحف بصمت. ومع ذلك، تطلب منها الأسرة والمجتمع أن تبدو سعيدة، شاكرة، قوية، وقادرة على رعاية طفلها من دون أن تنهار.

 

المشكلة ليست في الأم. المشكلة في الطريقة التي ننظر بها إلى ما بعد الولادة. نتعامل معها كأنها نهاية رحلة الحمل، بينما هي في الحقيقة بداية مرحلة لا تقل خطورة عن الحمل والولادة نفسيًا وجسديًا.

 

تقول منظمة الصحة العالمية إن نحو 10% من النساء الحوامل و13% من النساء بعد الولادة يعانين اضطرابًا نفسيًا، غالبًا الاكتئاب. وترتفع النسبة في الدول النامية إلى 15.6% أثناء الحمل و19.8% بعد الولادة. وتؤكد المنظمة أن الفقر، والهجرة، والضغوط الشديدة، والعنف، والأزمات، وضعف الدعم الاجتماعي، كلها عوامل تزيد مخاطر الاضطرابات النفسية حول الحمل والولادة.

 

هذه الأرقام تضعنا أمام حقيقة قاسية: اكتئاب ما بعد الولادة ليس “حزنًا عابرًا”، ولا “دلع أمهات”، ولا ضعف إيمان أو ضعف شخصية. إنه ملف صحي عالمي، إذا تُرك بلا دعم قد يؤثر في الأم، وفي علاقتها بطفلها، وفي الرضاعة، وفي قدرة الأسرة كلها على التماسك. وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن الاضطراب النفسي الشديد لدى الأم قد يعطل قدرتها على العناية بنفسها وبطفلها، وقد يؤثر في الارتباط بين الأم والرضيع والرضاعة ورعاية الطفل.

 

في كندا، تكشف الأرقام الحديثة أن المشكلة ليست بعيدة ولا هامشية. فقد أظهرت بيانات إحصاءات كندا، المنشورة في فبراير 2026 عن تجارب ما بعد الولادة في عام 2024، أن 49% من الأمهات ومن أنجبن أبلغن عن تحديات نفسية أو عاطفية خلال الحمل أو بعد الولادة. أي أن نصف الأمهات تقريبًا دخلن هذه المرحلة وهن يحملن عبئًا نفسيًا لا يراه الآخرون.

 

الأكثر إيلامًا أن 13% من الأمهات ومن أنجبن في كندا قلن إن لديهن حاجة صحية لم تتم تلبيتها بعد الولادة، و19% زرن قسم الطوارئ مرة واحدة على الأقل بعد الولادة. هذه ليست تفاصيل إدارية داخل النظام الصحي؛ هذه أمهات وصلن إلى لحظة احتياج حقيقية، بعضهن لم يجدن الرعاية في وقتها، وبعضهن لم يجدن طريقًا إلا الطوارئ.

 

وتكشف إحصاءات كندا أيضًا أن 21% من الأمهات ومن أنجبن قلن إن أي مقدم رعاية صحية لم يسألهن عن حالتهن النفسية أو العاطفية أثناء الحمل أو بعد الولادة. وترتفع النسبة إلى 33% بين المهاجرات الحديثات. هنا يظهر الوجه المسكوت عنه في تجربة المرأة المهاجرة: قد تكون في بلد يملك نظامًا صحيًا متقدمًا، لكنها لا تعرف دائمًا أين تذهب، ولا كيف تشرح ألمها، ولا كيف تقول بلغة ليست لغتها الأم: “أنا أخاف من نفسي، أنا أبكي كثيرًا، أنا لا أشعر أنني بخير”.

 

تقول وكالة الصحة العامة الكندية في إرشادات رعاية ما بعد الولادة إن النساء المهاجرات قد يواجهن حواجز لغوية وصعوبات في الوصول إلى الخدمات، حتى عندما تكون الخدمات نفسها موجودة. وهذه جملة تلخص مأساة كثيرة من النساء العربيات في كندا: الخدمة موجودة على الورق، لكن الطريق إليها ليس دائمًا واضحًا، خصوصًا للأم الجديدة التي لا تملك طبيب عائلة، أو لا تعرف نظام الإحالات، أو تخاف من أن تُفهم خطأ، أو تخجل من الحديث عن صحتها النفسية.

 

في التجربة الكندية، لا تبدو الأزمة في غياب الوعي الرسمي فقط. فإرشادات كندا تعترف بأن رعاية ما بعد الولادة يجب أن تكون رعاية للأسرة كلها، وأن تركز على احتياجات الأم والطفل، والتغذية، والرضاعة، والمتابعة، والدعم النفسي والاجتماعي. المشكلة تكمن غالبًا في المسافة بين الإرشادات الجميلة وحياة امرأة تعود إلى شقة صغيرة، في مدينة باردة، بلا أم أو أخت أو جارة قريبة، بينما ينتظر منها الجميع أن تتصرف كأنها تعرف كل شيء.

 

الأرقام تشرح هذه المسافة بوضوح. بين الأمهات في كندا اللواتي احتجن إلى رعاية صحية بعد الولادة ولم يحصلن عليها، كان السبب الأكثر شيوعًا هو طول الانتظار بنسبة 54%. وقالت 21% إنهن لم يعرفن أين أو كيف يجدن الرعاية. وفي ملف الصحة النفسية تحديدًا، قالت 20% ممن واجهن تحديات نفسية أو عاطفية إنهن احتجن إلى رعاية نفسية ولم يحصلن عليها، بينما قالت 31% منهن إنهن لم يعرفن أين أو كيف يطلبن المساعدة.

 

هذا هو قلب التحقيق: الأم لا تُترك وحدها دائمًا لأن الناس لا يحبونها، بل لأنها تقع بين فجوات كثيرة. فجوة بين المستشفى والبيت. فجوة بين الطبيب والأسرة. فجوة بين اللغة والخدمة. فجوة بين “المفروض أن تكوني سعيدة” و”أنا في الحقيقة أختنق”.

ولأن تواصل نيوز تخاطب نساء عربيات في كندا والخليج والعالم العربي، فإن المقارنة هنا ضرورية. لا للمباهاة، ولا لإدانة بلد بعينه، بل لفهم سؤال مهم: ماذا يحدث عندما يتعامل النظام الصحي مع ما بعد الولادة كمرحلة رعاية مستمرة، لا كموعد عابر بعد ستة أسابيع؟

 

في أبوظبي، أطلقت دائرة الصحة برنامج الرعاية المتكاملة بعد الولادة، ضمن استراتيجية صحة المرأة والطفل. البرنامج يدمج الزيارات المنزلية، والطب عن بعد، وخدمات العيادات الخارجية، حتى تحصل الأم الجديدة على دعم مستمر ومخصص في فترة ما بعد الولادة. وتشمل المتابعة جلسات طب عن بعد في الأيام الأولى بعد الخروج من المستشفى، ثم زيارات يمكن جدولتها في أقرب مستشفى أو مركز رعاية أولية بعد 7 إلى 14 يومًا، ثم بعد 6 أسابيع.

 

الأهم في النموذج الإماراتي أنه لا ينتظر دائمًا أن تصرخ الأم طلبًا للمساعدة. البرنامج يتيح زيارات منزلية إضافية للأمهات اللواتي تعرضن لمضاعفات أثناء الحمل أو الولادة، أو لديهن أطفال يعانون مشكلات صحية أو احتياجات خاصة. هذا النوع من المتابعة يحمل رسالة إنسانية واضحة: الأم بعد الولادة لا تحتاج فقط إلى تعليمات مكتوبة عند الخروج من المستشفى، بل إلى عين مهنية تتابعها، وسؤال مبكر، وممرضة أو قابلة تستطيع أن ترى ما لا تقوله الأم من تلقاء نفسها.

 

وفي قطر، تقدم مؤسسة الرعاية الصحية الأولية نموذجًا آخر يستحق الانتباه. فخدمة رعاية ما بعد الولادة تشمل تقييمًا جسديًا ونفسيًا، إلى جانب التثقيف الصحي والمشورة لتحسين صحة الأم ورفاهها. والخدمة متاحة للأمهات القطريات وغير القطريات المقيمات والمسجلات في المراكز الصحية، ويمكن طلبها ذاتيًا بالاتصال على الرقم 107، أو عبر إحالة من مرافق الولادة أو الطبيب. وبعد طلب الخدمة، تتلقى الأم اتصالًا خلال 3 إلى 5 أيام عمل من مستشارة صحة الأم والطفل للتقييم والمشورة والمتابعة حسب الحاجة.

 

هذه التفاصيل مهمة جدًا للقارئة؛ لأنها تنقل الحديث من العاطفة إلى الخدمة. الأم لا تحتاج فقط إلى مقال يقول لها “نحن نشعر بك”، بل تحتاج إلى نموذج يشرح لها أن رعاية ما بعد الولادة يجب أن تشمل الجسد والنفس والرضاعة والمشورة والمتابعة. قطر هنا تقدم فكرة واضحة: تقييم الأم نفسيًا ليس رفاهية، بل جزء من الرعاية الصحية الطبيعية بعد الولادة.

 

وتضيف سدرة للطب في قطر بُعدًا متخصصًا للصحة النفسية حول الحمل والولادة. فخدمات الصحة النفسية للنساء خلال الحمل وبعد الولادة تقدمها فرق من أطباء نفسيين وأخصائيين نفسيين وممرضين، وتستهدف النساء اللواتي يواجهن مشكلات عاطفية أو نفسية خلال الحمل أو في السنة الأولى بعد الولادة. وتقول سدرة إن نحو واحدة من كل عشر نساء قد تعاني أعراضًا مهمة من الاكتئاب أو القلق في هذه المرحلة، وأن العلاج والدعم يمكن أن يحولا دون آثار سلبية على الأم وطفلها وأسرتها.

 

وتشمل الخدمات في سدرة معلومات واستشارات حول المشكلة النفسية وخيارات العلاج، وعلاجات فعالة مثل العلاج المعرفي السلوكي، والعلاج بين الأشخاص، والعلاج الزوجي، والعلاج المخصص للصدمة. كما يتعاون الفريق مع أطباء النساء والقابلات وأطباء الأطفال واستشاريي الرضاعة والأخصائيين الاجتماعيين عند الحاجة.

 

ما الذي تعلمنا إياه هذه المقارنة؟

 

تعلمنا أن الأم بعد الولادة لا تحتاج إلى مسار واحد فقط. تحتاج إلى شبكة. طبيب يسأل عن النزيف والألم. ممرضة تتابع الرضاعة. أخصائي يسأل عن النوم والبكاء والخوف. أسرة لا تسخر من ضعفها. وزوج لا يختزل دورها في أنها “أم الطفل”، بل يراها امرأة تعبر مرحلة جسدية ونفسية شديدة الحساسية.

 

وتعلمنا أيضًا أن الأم المهاجرة في كندا تحتاج إلى دعم مضاعف. فهي لا تواجه الولادة وحدها فقط، بل تواجه نظامًا جديدًا، لغة جديدة، بردًا اجتماعيًا، غياب العائلة الممتدة، وصعوبة في الوصول إلى طبيب أو مواعيد أو استشارات. لهذا، حين تقول امرأة عربية في كندا بعد الولادة: “أنا تعبانة”، يجب ألا نسمعها كشكوى عادية. ربما هي تحاول أن تقول: “أنا أحتاج مساعدة قبل أن أنكسر”.

 

المطلوب بعد الولادة ليس أن تصبح كل أم بطلة صامتة. البطولة الحقيقية أن تجد المرأة مساحة آمنة تقول فيها إنها لا تنام، لا تأكل جيدًا، تخاف، تبكي، لا تفهم طفلها، أو لا تشعر بالفرح الذي كان الجميع يتوقعه منها. والمطلوب من النظام الصحي ألا ينتظر حتى تصل الأم إلى الطوارئ، ومن الأسرة ألا تنتظر حتى تنفجر، ومن المجتمع ألا يختبر صبرها باسم الأمومة.

 

هناك علامات لا يجب تجاهلها: حزن مستمر، بكاء متكرر، خوف شديد، قلق لا يهدأ، صعوبة في النوم حتى عندما ينام الطفل، شعور بالذنب أو الفشل، فقدان الرغبة في الأكل أو الحركة، صعوبة في الارتباط بالرضيع، أو أي أفكار مؤذية تجاه النفس أو الطفل. عند هذه النقطة، لا يجوز أن نقول للأم “استحملي”. يجب أن نقول لها: “هذه حالة صحية، والمساعدة ضرورية الآن”.

ربما يبدأ التغيير من سؤال بسيط جدًا. عندما تزورون أمًا جديدة، لا تسألوا عن الطفل فقط. اسألوا الأم: هل أكلتِ؟ هل نمتِ؟ هل يؤلمك شيء؟ هل تحتاجين أن نحمل الطفل ساعة؟ هل تريدين أن نذهب معك للطبيب؟ هل تريدين أن تتكلمي من غير حكم ولا نصائح ثقيلة؟

 

بعد الولادة، لا يكفي أن نقول للمرأة “مبروك”. أحيانًا تحتاج الأم إلى كلمة أخرى أكثر إنقاذًا: “نحن نراكِ”.

فالأم التي تحمل طفلها ليست مجرد جسد أنجب. هي إنسانة تعافت جزئيًا من ألم، ودخلت مباشرة في مسؤولية، وتحتاج إلى رعاية لا تقل عن رعاية رضيعها. وإذا كان الطفل يبدأ حياته محتاجًا إلى حضن الأم، فإن الأم نفسها تحتاج إلى حضن أكبر: نظام صحي منتبه، وأسرة رحيمة، ومجتمع لا يتركها وحيدة ثم يسأل لاحقًا لماذا انهارت.