حين نتوقف عن محاكمة أنفسنا
- بقلم Tahani Elghazaly
- نشر في
أقسى المحاكم ليست تلك التي ندخلها دفاعًا عن أنفسنا أمام الآخرين، بل المحكمة التي نعقدها كل ليلة داخل رؤوسنا، حيث نكون المتهم والقاضي والجلاد في الوقت نفسه.
نستدعي أخطاءنا القديمة، نعيد عرض الكلمات التي كان يجب ألا نقولها، والفرص التي ضاعت، والقرارات التي غيرت مسار حياتنا، ثم نصدر الحكم المعتاد: "أنا السبب".
ولا نكتفي بالحكم، بل نواصل تنفيذ العقوبة سنوات طويلة.
نحرم أنفسنا من الفرح لأننا نعتقد أننا لا نستحقه، ونرفض فرصًا جديدة خوفًا من تكرار الفشل، ونبتعد عن الحب حتى لا نُجرح، ونعيش أسرى لنسخة قديمة من أنفسنا، رغم أن الزمن تغير ونحن تغيرنا.
لكن هل يمكن للإنسان أن يبني حياة جديدة وهو يعاقب نفسه كل يوم على حياة انتهت؟
التصالح مع النفس لا يعني أن نبرر أخطاءنا، ولا أن نتظاهر بأن كل ما فعلناه كان صحيحًا. المصالحة الحقيقية تبدأ عندما نمتلك الشجاعة لنقول: "نعم، أخطأت. لكنني لست خطئي".
هناك فرق كبير بين أن نراجع أنفسنا وأن نهينها، وبين أن نتعلم من الماضي وأن نحوله إلى سجن. الندم الصحي يوقظ الضمير ويقود إلى الإصلاح، أما جلد الذات فيستنزف الروح ويشل الإرادة، دون أن يغير ما حدث.
كم مرة قلنا لأنفسنا: لو كنت أكثر وعيًا، لما اخترت هذا الطريق؟
لكن الحقيقة التي نتجاهلها أننا اتخذنا قرارات الأمس بعقل الأمس، وبخبرات الأمس، وبالمعلومات التي كانت متاحة لنا وقتها. لا يجوز أن نحاكم نسختنا القديمة بحكمة لم نكتسبها إلا بعد الألم.
نحن لا نولد ونحن نعرف كيف نختار الأشخاص المناسبين، أو كيف نضع الحدود، أو متى نغادر، أو كيف نقول «لا». نتعلم غالبًا بعدما ندفع الثمن.
وهذا لا يجعلنا ضعفاء أو ساذجين. يجعلنا بشرًا.
ربما وثقنا بمن لم يكن أهلًا للثقة. ربما تأخرنا في الانسحاب من علاقة أنهكتنا. ربما صمتنا عندما كان ينبغي أن نتحدث، أو تحدثنا بغضب عندما كان الصمت أكثر حكمة.
ربما أهملنا أحلامنا من أجل الآخرين، ثم اكتشفنا أن بعض من ضحينا لأجلهم لم يشعروا بحجم ما قدمناه.
ولكننا رغم ذلك ما زلنا هنا.
وهذه وحدها ليست حقيقة صغيرة.
نحن هنا، نحاول أن نفهم، وأن نتغير، وأن ننقذ ما تبقى من أعمارنا من تكرار الأخطاء نفسها. فهل نعاقب أنفسنا لأننا تألمنا، أم نحتضنها لأنها نجت؟
التصالح مع النفس يبدأ حين نغير الطريقة التي نتحدث بها إلى ذواتنا. تخيل أنك تخاطب إنسانًا تحبه، مر بما مررت به، وأخطأ كما أخطأت. هل ستقول له: «أنت فاشل ولا تستحق فرصة أخرى»؟ أم ستقول: «لقد أخطأت، لكنك تعلمت، وما زال أمامك طريق»؟
لماذا نعطي الآخرين الرحمة ونحرم أنفسنا منها؟
سامح نفسك على الأيام التي لم تكن فيها قويًا. على المرات التي خفت فيها، أو ترددت، أو رضيت بأقل مما تستحق. سامحها لأنها كانت تحاول النجاة بالطريقة الوحيدة التي تعرفها.
ثم لا تتوقف عند المسامحة. اسأل نفسك بصدق: ماذا علمني هذا الألم؟ ما الذي لن أسمح بتكراره؟ وما الحدود التي يجب أن أحمي بها قلبي وكرامتي؟
المصالحة ليست كلمة نرددها أمام المرآة، بل قرارات جديدة تثبت أننا احترمنا الدرس.
أن تتصالح مع نفسك يعني أن تتوقف عن انتظار اعتذار قد لا يأتي، لأن سلامك لا ينبغي أن يبقى معلقًا على وعي شخص آخر. ويعني ألا تجعل من خيانة أحدهم دليلًا على أنك لا تستحق الوفاء، أو من رفضه لك دليلًا على أنك غير جدير بالحب.
ما فعله الآخرون يعبر عنهم، أما ما ستفعله أنت بعده فيعبر عنك.
لا تسمح للماضي بأن يستخدم صوتك لمواصلة إيذائك. لا تكرر في داخلك الكلمات القاسية التي قالها لك شخص لم يعرف قيمتك. ولا تجعل تجربة فاشلة تتحول إلى تعريف دائم لنفسك.
أنت لست العلاقة التي انتهت، ولا الوظيفة التي خسرتها، ولا القرار الذي ندمت عليه، ولا العمر الذي مضى أسرع مما توقعت.
أنت كل مرة سقطت فيها ثم نهضت، وكل وجع حولته إلى وعي، وكل باب أغلقته بعدما أدركت أن بقاءه مفتوحًا يهدر كرامتك.
التصالح مع النفس لا يحدث في يوم واحد. إنه طريق طويل نخلع فيه طبقات اللوم والخوف والعار، ونستعيد إنسانيتنا قطعة قطعة.
وقد تأتي لحظة تنظر فيها إلى ماضيك، لا بغضب ولا بخجل، بل بامتنان هادئ، لأنك ستدرك أن الشخص الذي كنت تلومه طوال هذه السنوات كان يحاول فقط أن يقودك إلى الشخص الذي أصبحت عليه اليوم.
في بداية هذا الطريق، لا تطلب من نفسك أن تنسى كل شيء.
اطلب منها فقط أن تتوقف عن معاقبة نفسها.
فربما تكون أول خطوة نحو السلام أن تقول لها، بصدق ورحمة:
لقد أتعبتك كثيرًا بمحاكمتي لك. حان الوقت لأن أقف إلى جانبك.
قد يعجبك أيضًا
Authors
-
Tahani Elghazaly5002 المقالات
منشورات شائعة
-
Halal Expo Canada تدعو ال...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 18, 2026
-
هيئة الاستثمار الكويتية ت...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 18, 2026
-
6 آلاف مهني و800 مشترٍ في...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 18, 2026
-
تقرير: آيفون القابل للطي...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 18, 2026
النشرة البريدية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على أحدث التحديثات!