مفتاح الحياة.. بوابة الأبد | إيناس صبري
- بقلم Tahani Elghazaly
- نشر في
بقلم الأخصائية النفسية إيناس صبري
نقضي جزءًا كبيرًا من أعمارنا ونحن نحاول أن نُمسك بالأشياء؛ بالأشخاص، بالأماكن، باللحظات الجميلة، بالصورة التي رسمناها لأنفسنا ولحياتنا. نريد أن يبقى من نحب، وأن تدوم الأوقات التي أسعدتنا، وأن تسير الأيام كما خططنا لها. ثم تأتي الحياة، بهدوئها أحيانًا وبقسوتها أحيانًا أخرى، لتقول لنا الحقيقة التي نحاول الهروب منها: لا شيء يبقى كما هو.
وربما يكون هذا هو أول مفتاح لفهم الحياة.
كلما عرفنا حقيقتها، أصبح التغيير أقل إخافة. وكلما أدركنا أن الفقد جزء من الرحلة، أصبحت قدرتنا على التخلّي أكبر. ليس التخلّي بمعنى القسوة أو عدم الحب، وإنما بمعنى ألا نحول الحب إلى قيد، وألا نجعل بقاء الأشياء شرطًا لبقائنا نحن.
الحياة تجربة تمر.
لحظة السعادة التي تمنينا ألا تنتهي ستنتهي، والأيام الصعبة التي ظننا ونحن بداخلها أنها لن تمر، ستمر أيضًا. وما بين الاثنين نتغير نحن، حتى وإن لم نلحظ ذلك.
نترك بيتًا عشنا بين جدرانه سنوات، وننتقل إلى بيت آخر. نلتقي أشخاصًا نشعر في لحظة أنهم سيبقون معنا إلى الأبد، ثم تأخذهم الأيام إلى طرق أخرى. نودع وظائف، ومدنًا، وأحلامًا، وعلاقات، وأحيانًا نسخًا قديمة من أنفسنا لم نعد نشبهها.
وكأن الحياة تدربنا على التخلّي ونحن لا نزال في قلبها.
وهنا تكمن المفارقة؛ فالتخلّي ليس دائمًا خسارة. أحيانًا يكون التحرر الحقيقي هو أن تدرك أن بعض الأشياء أكملت دورها في حياتك، وأن بقاءها بالقوة لن يعيد الزمن إلى الوراء.
من الناحية النفسية، كثير من ألمنا لا يأتي من التغيير نفسه، وإنما من مقاومتنا له. نتعلق بما كان، ونريد للحظة انتهت أن تعود، ولشخص اختار الرحيل أن يبقى، ولحياة تغيرت أن تعود إلى صورتها القديمة.
فنضيف إلى ألم الفقد ألمًا آخر: رفض الفقد.
لكن القبول لا يعني ألا نحزن.
ابكِ حين يؤلمك الفراق. اشتق حين يغيب من تحب. احزن على المكان الذي اضطررت إلى تركه، وعلى الحلم الذي لم يكتمل. نحن بشر، وقلوبنا لا تعمل بزر يمكن إغلاقه.
لكن بعد الحزن، علينا أن نسمح للحياة أن تستمر.
ربما كل هذه التجارب الصغيرة تهيئنا، بطريقة لا نفهمها بالكامل، لفكرة أكبر من قدرتنا على الإدراك؛ أننا في يوم ما سنترك كل شيء.
سنترك المكان، والأسماء، والصور، والمقتنيات، والمواعيد التي ملأت أيامنا، والعمر بكل ما جمعناه داخله من ضحكات وخيبات ونجاحات وندم ووجوه أحببناها.
وسنذهب إلى ما لا نعرف عنه الكثير.
هذه الفكرة قد تخيف البعض، لكنها بالنسبة لي تحمل أيضًا نوعًا غريبًا من الطمأنينة. فإذا كانت الحياة نفسها رحلة من التحولات، فلماذا نتصور أن آخر تحول فيها يجب أن يكون أكثر رعبًا من كل ما سبقه؟
ربما نعود إلى مكان جئنا منه يومًا، لكن ذاكرتنا لا تستطيع الوصول إليه. مكان لم نعرفه بعقولنا، وربما عرفته أرواحنا قبل أن تبدأ رحلة الجسد.
ولا أملك إجابة يقينية عمّا يوجد خلف هذه البوابة، ولا أظن أن الإنسان مطالب بأن يعرف كل شيء. أحيانًا يكفينا الإيمان بأن وجودنا أكبر من اللحظة التي نعيشها الآن.
وحين يصبح التغيير حقيقة نقبلها، والتخلّي مهارة نتعلمها، تحدث داخلنا أشياء جميلة.
نصبح أكثر رحمة، لأننا نعرف أن كل إنسان يحمل شيئًا يخشى فقده.
نصبح أكثر كرمًا، لأننا ندرك أن ما نملكه لن يبقى معنا إلى الأبد.
نحب بصورة أنضج، فلا نحاول امتلاك الآخرين.
ونسامح أسرع، لأن العمر أقصر من أن نقضيه في حمل الأثقال.
وربما يكون هذا هو المعنى الحقيقي للروحانية: أن تتعلم كيف تكون روحًا حرة، وأنت ما زلت تعيش رحلة الجسد.
أن تحب الحياة بشدة، من دون أن تطالبها بأن تبقى كما تريد.
أن تفرح حين تمنحك، وتصبر حين تأخذ منك.
وأن تدرك في النهاية أن الحياة لم تأت لتعلمنا كيف نتمسك بكل شيء، بل كيف نحب كل شيء، ثم نملك الشجاعة حين يحين وقته... أن نتركه يمضي.
قد يعجبك أيضًا
Authors
-
Tahani Elghazaly5505 المقالات
منشورات شائعة
-
تونس ضيف شرف «MTL CONNECT...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 19, 2026
-
حين نسخّن طعامنا في البلا...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 19, 2026
-
«صيحة البشرة الزجاجية.. ه...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 19, 2026
-
ألبرتا تصوّت على مستقبلها...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 19, 2026
النشرة البريدية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على أحدث التحديثات!