الوضع المظلم
نورا شراب.. من طفولة فلسطينية في كندا إلى مشروع وصل بمنتجات اللاجئات إلى الأسواق

نورا شراب.. من طفولة فلسطينية في كندا إلى مشروع وصل بمنتجات اللاجئات إلى الأسواق

شارك
Latest news on WhatsApp أجدد الأخبار على واتساب

 

 

نورا شراب.. فلسطينية صنعت في كندا طريقًا لمشروع بدأ بعلبة صابون في مخيم للاجئين لم تتخيل نورا شراب أن علبة صابون ستفتح أمامها طريقًا مهنيًا جديدًا. كانت تعمل في المجال الإنساني، وتهتم بتعليم النساء الفلسطينيات، حين طُلب منها المساعدة في بيع صابون صنعته نساء داخل مخيم جرش للاجئين بالأردن. لم تكن تعرف الكثير عن تجارة مستحضرات العناية الشخصية، لكنها أدركت أن المشكلة لم تكن في قدرة النساء على الإنتاج، بل في غياب السوق الذي يمنح عملهن قيمة اقتصادية. ومن تلك البداية البسيطة، انطلقت رحلة حولتها من باحثة في شؤون الهجرة إلى شريكة مؤسسة لمشروع تجاري كندي يعبر الحدود.

 

وُلدت نورا في دبي لأبوين فلسطينيين من غزة، وانتقلت إلى كندا طفلة، حيث نشأت في تورنتو. عاشت حياتها في المجتمع الكندي، وحملت في الوقت نفسه انتماءً إلى وطن لم تنشأ فيه. ومع تقدمها في الدراسة، بدأت تبحث بصورة أعمق في معنى الهوية الفلسطينية، وفي الفوارق بين تجربة أبناء العائلات المهاجرة وتجربة الفلسطينيين الذين يعيشون في المخيمات.

 

اختارت دراسة العلوم السياسية في جامعة يورك، واهتمت بقضايا الهجرة القسرية واللاجئين. لكن أسئلتها لم تبقَ داخل قاعات الجامعة؛ فقد دفعتها رغبتها في فهم تلك الحياة إلى السفر للأردن، والإقامة مع عائلات فلسطينية داخل المخيمات، من بينها أسرة تعيلها امرأة أرملة في مخيم جرش.

 

هناك اكتشفت أن الاقتراب من معاناة الآخرين لا يعني بالضرورة فهم احتياجاتهم. فقد واجهت اعتراضات من بعض النساء على تصوراتها بشأن المساعدة، وهي مواقف تحدثت لاحقًا عن أثرها في تغيير طريقة تفكيرها. تعلمت أن الاستماع إلى الناس قد يكون أهم من الوصول إليهم بحلول جاهزة، وأن العمل الناجح يبدأ مما يستطيعون فعله وما يريدونه لأنفسهم.

 

ومع استمرار ارتباطها بالمجتمع الفلسطيني، شاركت في تأسيس مبادرة «Hopes for Women in Education» لدعم تعليم النساء والفتيات، وعملت في المجال الإنساني، بما في ذلك مع الأمم المتحدة. لكن تجربة غير متوقعة دفعتها إلى اكتشاف حدود المساعدة التي تتوقف عند التدريب والتعليم.

 

كانت مجموعة من نساء مخيم جرش قد تعلمت صناعة صابون زيت الزيتون التقليدي، وأنتجت كميات منه، لكنها لم تجد من يشتريها. ووصلت إلى نورا علبة صابون مع طلب للمساعدة في تسويقه. ترددت في البداية؛ فالتجارة لم تكن مهنتها، ولم تكن قد خططت لتأسيس شركة. لكن النساء امتلكن المهارة والمنتج، ولم يكن ينقصهن سوى فرصة للوصول إلى المشترين.

قررت نورا أن تبدأ من هذه النقطة.

 

وبالتعاون مع جاكلين صوفيا وصفية أبو شنين، شاركت في تأسيس مشروع «Sitti»، أي «ستي» أو «جدتي» بالعربية. تولت الحرفيات صناعة الصابون، بينما بدأت نورا وشريكاتها تطوير التغليف والتسويق والتوزيع، والعمل على إدخال المنتجات إلى الأسواق الكندية والأميركية.

 

لم يكن الانتقال من العمل الإنساني إلى ريادة الأعمال سهلًا. فقد واجهت نورا تشكيكًا في قدرة الصابون على المنافسة، خاصة مع ارتفاع تكاليف إنتاجه مقارنة بمنتجات أخرى متاحة في الأسواق. واضطرت إلى تعلم تفاصيل لم تكن مألوفة لها، من التعامل مع الموردين إلى متطلبات البيع للمتاجر.

 

ومن المواقف التي روتها أنها اشترت رموزًا شريطية للمنتجات، ثم اكتشفت أنها لا تستوفي متطلبات التوزيع التجاري، فاضطرت إلى إعادة تصميم عبوات كانت قد أعدتها. كان خطأ مكلفًا، لكنه كشف لها أن النوايا الطيبة والقصة المؤثرة لا تكفيان لنجاح أي مشروع؛ فلا بد من فهم السوق وقواعده.

 

وفي كندا، بدأت نورا تبني خبرتها الجديدة خطوة بعد أخرى، مستفيدة من شبكات دعم رائدات الأعمال وبرامج التمويل والعلاقات التجارية. ومع الوقت، توسعت «Sitti» من الصابون التقليدي إلى منتجات العناية الشخصية والهدايا والمنتجات المنزلية، ووصلت منتجاتها إلى متاجر في أميركا الشمالية، من بينها متاجر Whole Foods في كندا.

 

لكن اتساع السوق لم يكن منفصلًا عن ظروف النساء في الأردن. فقد حرصت شريكات المشروع على توفير مساحة إنتاج داخل المخيم، حتى لا تضطر العاملات إلى تحمل أعباء الانتقال اليومي إلى خارجه. وأصبح تطور النشاط التجاري مرتبطًا باستمرار فرص العمل للحرفيات اللواتي قامت الفكرة على مهاراتهن.

 

وفي عام 2022، أوضحت نورا أن المشروع يدعم أكثر من ثلاثين شخصًا من خلال شريكين مجتمعيين في مخيم جرش. وخلال العام نفسه، حصلت الشركة على منحة بقيمة عشرة آلاف دولار كندي من برنامج Visa She’s Next لدعم الشركات التي تقودها نساء.

 

أما الأثر الإنساني، فتظهره شهادة إحدى العاملات اللواتي استخدمت الشركة لهن اسمًا مستعارًا هو «منى». كانت تعيل أسرة كبيرة، واستطاعت خلال فترة زيادة الطلب على المنتجات أن تستخدم دخلها الإضافي في إصلاح منزلها وتركيب أبواب لغرف أطفالها، لتوفر لهم خصوصية أكبر. وهو تغيير بسيط في ظاهره، لكنه يعكس قيمة فرصة العمل في تفاصيل الحياة اليومية.

 

وفي المقابل، كانت نورا نفسها تعيش تحولًا مهنيًا داخل كندا. فالشابة التي درست الهجرة وعملت في التنمية الإنسانية أصبحت تتعلم إدارة شركة، وتبحث عن التمويل، وتتفاوض مع الأسواق، وتواجه صعوبات لا تحلها المعرفة الأكاديمية وحدها. لم تتخلَّ عن اهتمامها الأول، وإنما وجدت في التجارة وسيلة أخرى لترجمته إلى عمل ملموس.

 

ولم يكن نجاح المشروع إنجازًا فرديًا؛ فقد أسهمت شريكاتها والنساء العاملات في المخيم في بنائه وتطويره، وكانت خبرتهن في الإنتاج أساسًا لا يمكن الاستغناء عنه. أما نورا، فكان دورها أن تساعد في ربط تلك المهارة بالفرص التي أتاحتها لها تجربتها في كندا، وأن تتعلم بنفسها كيف يتحول منتج صغير إلى عمل تجاري قادر على الاستمرار.

 

وهكذا أخذت رحلة نورا اتجاهًا لم تخطط له عندما غادرت تورنتو لتبحث عن جذورها الفلسطينية. فقد عادت إلى كندا لا تحمل إجابات عن الهوية وحدها، بل تحمل أيضًا مسؤولية مشروع احتاج منها إلى قرارات جريئة وصبر وتعلم مستمر.

 

كانت البداية علبة صابون تنتظر مشتريًا، وأصبحت النتيجة شركة وشراكات وفرص عمل، إلى جانب مسار مهني جديد صنعته نورا مع نساء آمنّ بقدرة العمل على تغيير حياتهن.

Authors

النشرة البريدية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على أحدث التحديثات!