لدينا مئات الأصدقاء.. فلماذا نبحث عمّن يسمعنا داخل شاشة؟
- بقلم Tahani Elghazaly
- نشر في
بقلم: تهاني الغزالي
لم يعد غريبًا أن تجلس مجموعة من الأصدقاء حول طاولة واحدة، بينما ينظر كل واحد منهم إلى شاشة مختلفة. ولا أن يكون لدى الشاب مئات المتابعين، وعشرات مجموعات الدردشة، ثم يجد نفسه في نهاية يوم صعب عاجزًا عن اختيار شخص واحد يقول له ببساطة: "أنا لست بخير"..
المفارقة أننا لم نكن يومًا أكثر اتصالًا، ومع ذلك يبدو أن العثور على شخص نثق بأنه سيستمع دون حكم أو استعجال أصبح أكثر صعوبة.
ولهذا لم أتوقف كثيرًا عند الخبر عندما قرأت أن شبابًا بدأوا يسألون الذكاء الاصطناعي عن الواجبات والوظائف والسفر. ما استوقفني فعلًا هو أن بعضهم بدأ يذهب إليه حين يشعر بالحزن أو القلق أو الحيرة في علاقة شخصية.
تقرير حديث أصدرته منظمة Jack.org الكندية وجد أن واحدًا من كل ثلاثة من بين 395 شابًا وشابة شملهم استطلاعها يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي مرة واحدة على الأقل شهريًا للحصول على دعم مرتبط بالصحة النفسية. والأكثر إثارة للتأمل أن ما يقرب من نصف المستخدمين قالوا إنهم لم يخبروا أحدًا بأنهم يفعلون ذلك.
لا أرى في الرقم قصة عن التكنولوجيا بقدر ما أراه سؤالًا عن البشر: ما الذي لم يجده هؤلاء فينا، فبحثوا عنه في آلة؟
ربما كانت الإجابة في جزء منها بسيطة جدًا. الآلة متاحة في منتصف الليل. لا تقول: «أنا مشغول الآن». لا تسخر من السؤال. لا تقاطع صاحبها قبل أن يكمل. ولا تجعل الشاب يشعر بأنه عبء لأنه كرر المشكلة للمرة الخامسة.
لكن وراء هذه الراحة مشكلة أعمق.
تقول بيانات هيئة الإحصاء الكندية إن الشعور بالانتماء يرتبط بقوة بالوحدة؛ فقد أفاد نحو 30% من الشباب الذين لديهم شعور أضعف بالانتماء إلى مجتمعهم بأنهم يشعرون بالوحدة بانتظام، مقابل 10% فقط بين من لديهم شعور قوي بالانتماء. كما كان أصحاب الشعور الأقوى بالانتماء أكثر رضا عن علاقاتهم مع الأصدقاء والعائلة.
إذن قد لا تكون الأزمة في نقص الكلام، بل في نقص العلاقة التي يشعر الإنسان داخلها بأنه مرئي ومسموع ومقبول.
وهنا يصبح الذكاء الاصطناعي حلًا مغريًا، لكنه حل ناقص. يستطيع أن يساعد شخصًا على ترتيب أفكاره، أو أن يقترح أسئلة يفكر فيها، أو أن يضع الكلمات لمشاعر يصعب وصفها. لكنه لا يستطيع أن يلاحظ صمتًا غير عادي على مائدة العشاء، أو تغيرًا في عين صديق، أو أن يطرق باب شخص اختفى فجأة من الحياة اليومية.
والأهم أنه ليس بديلًا عن الرعاية المهنية عندما يحتاج الإنسان إليها. خبراء الصحة النفسية حذروا من التعامل مع روبوتات المحادثة باعتبارها معالجًا بشريًا، لأن استجابتها لا تحمل بالضرورة الحكم السريري والضمانات المهنية التي يقدمها المختص المدرَّب.
ومع ذلك، سيكون من السهل جدًا أن نلقي اللوم على الهاتف أو الذكاء الاصطناعي ونعتبر أن الحل هو «أغلقوا الأجهزة وتحدثوا مع بعضكم». الحياة ليست بهذه البساطة.
فالمشكلة أحيانًا أن الإنسان لا يعرف كيف يبدأ الحديث، وأن الطرف الآخر لا يعرف كيف يستمع.
نحن بارعون في السؤال: «كيف حالك؟»، لكننا اعتدنا قبول كلمة «بخير» بسرعة مذهلة.
ربما نحتاج إلى سؤال ثانٍ.
"بجد.. عامل إيه؟|"
"ونحتاج بعدها إلى الصمت قليلًا."
لا نقدم حلًا قبل أن نفهم المشكلة. لا نحول كل شكوى إلى محاضرة. لا نقارن وجع شخص بوجع شخص آخر. وأحيانًا لا نقول شيئًا عبقريًا على الإطلاق؛ يكفي أن يعرف من أمامنا أننا ما زلنا موجودين.
وهذا ليس كلامًا عاطفيًا فقط. الأبحاث الكندية تربط الشعور بالانتماء بعلاقات اجتماعية أفضل ومستويات أقل من الوحدة، بينما تشير دراسات الصحة العامة إلى أن العزلة الاجتماعية أصبحت قضية صحية تستحق الانتباه، خصوصًا عندما تتداخل مع المرض المزمن أو الألم أو القيود التي تقلل قدرة الإنسان على التواصل مع الآخرين.
الحل إذن ليس حربًا على التكنولوجيا. من غير المنطقي أن نطلب من جيل يعيش جزءًا كبيرًا من حياته الرقمية أن يتخلى عنها.
الحل أن نجعل العالم الحقيقي مكانًا يستحق العودة إليه.
أن يعرف الابن أنه يستطيع أن يقول لأبيه إنه خائف من دون أن يسمع فورًا: «كن رجلًا». وأن تعرف الفتاة أنها تستطيع أن تتحدث عن فشل أو علاقة أو قلق من دون محاكمة. وأن نستعيد شيئًا بسيطًا فقدناه وسط زحام الرسائل والإشعارات: أن نسأل عن الناس عندما لا يكون هناك سبب أو مناسبة.
وقد يكون الوعي الجديد الذي نحتاجه هو ألا نسأل لماذا يتحدث شخص إلى آلة، بل أن نسأل أولًا:
هل وجد بيننا من يستطيع أن يتحدث إليه؟
فالذكاء الاصطناعي قد يجيب خلال ثانية، لكن الإنسان يملك شيئًا لن تمنحه الشاشة مهما أصبحت ذكية: الحضور الحقيقي.
قد يعجبك أيضًا
Authors
-
Tahani Elghazaly5411 المقالات
منشورات شائعة
-
هل يساعد البصل في مقاومة...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 13, 2026
-
عندما تتصل الثلاجة بالإنت...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 13, 2026
-
كيف تؤثر رائحة الطعام على...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 12, 2026
-
من غزة إلى مانيلا وبوينس...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 13, 2026
النشرة البريدية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على أحدث التحديثات!