«نظرية سبتمبر» تشعل نقاش العلاقات.. لماذا أصبح الوضوح أصعب من الحب؟
- بقلم Tahani Elghazaly
- نشر في
بقلم: تهاني الغزالي
فجأة أصبح لشهر سبتمبر نظرية في الحب.
تقول «نظرية سبتمبر» المتداولة على منصات التواصل إن العلاقات التي بدأت بخفة الصيف تصل مع بداية الخريف إلى لحظة اختبار: إما أن تدخل معنا إلى ما تبقى من العام، أو تتلاشى كما تلاشت الإجازات والليالي الطويلة.
وبعيدًا عن الاسم الجذاب الذي يصلح تمامًا لـ«تيك توك»، لا توجد نظرية علمية تقول إن سبتمبر يملك قدرة سحرية على جمع العشاق أو تفريقهم. إنها فكرة صنعتها مواقع التواصل، ثم انتشرت لأنها لمست شيئًا حقيقيًا في حياة الناس: حين تعود الحياة إلى إيقاعها الطبيعي، تظهر حقيقة العلاقات.
وأظن أن المسألة ليست سبتمبر أصلًا.
المسألة أننا أصبحنا نعيش زمنًا غريبًا في العلاقات الإنسانية؛ زمنًا يمكن فيه لإنسان أن يحدثك كل يوم، ويسأل عن تفاصيلك، ويشاركك صباحه ومساءه، وربما يعرف عنك ما لا يعرفه أقرب الناس إليك، ثم يتراجع أمام سؤال بسيط جدًا:
نحن ماذا؟
اخترعنا لهذا النوع من العلاقات اسم Situationship. واخترعنا Ghosting لمن يختفي بلا كلمة. وBreadcrumbing لمن يمنحك جرعات صغيرة من الاهتمام تكفي فقط لكي تبقى منتظرًا.
وكل فترة يظهر مصطلح جديد.
لكنني أحيانًا أتساءل: هل تطورت العلاقات فعلًا، أم أننا فقط أصبحنا أكثر براعة في اختراع أسماء أنيقة لأشياء كانت الأجيال السابقة تسميها ببساطة: عدم وضوح؟
ربما لهذا أعجبتني «نظرية سبتمبر»، ليس لأنني أصدقها، وإنما لأنها تطرح من دون قصد سؤالًا مهمًا:
ماذا يبقى من العلاقة عندما تنتهي الظروف الجميلة التي صنعتها؟
من السهل أن نحب الناس في الإجازات، وفي السفر، وفي البدايات التي لا تحمل مسؤوليات، وفي الرسائل الطويلة التي لا يطالبنا فيها أحد بشيء.
الاختبار الحقيقي يبدأ عندما تعود المواعيد، والعمل، والمدارس، والفواتير، والتعب، والمرض، وضيق الوقت.
هناك نعرف من يريد مكانًا حقيقيًا لنا في حياته، ومن كان يريد فقط أن نملأ له مساحة فارغة فيها.
ولست أتحدث عن العلاقات العاطفية وحدها.
لدينا صداقات تعيش سنوات على جملة: «لازم نتقابل»، ولا يأتي اللقاء أبدًا.
ولدينا أقارب أصبح الاطمئنان عليهم «لايك».
ولدينا أشخاص نعرف أخبارهم اليومية من صورهم، بينما لا نعرف إن كانوا بخير فعلًا.
نحن أكثر اتصالًا من أي جيل سبقنا، وربما لهذا السبب تحديدًا أصبح علينا أن نسأل أنفسنا: هل الاتصال هو العلاقة؟
لا أعتقد.
العلاقة ليست عدد الرسائل، ولا سرعة الرد، ولا القلب الأحمر أسفل الصورة.
العلاقة، في رأيي، هي أن يكون للإنسان مكان في حياتك لا يحتاج كل يوم إلى إثبات أنه يستحقه.
هي أن تستطيع أن تقول: أنا غاضب. أنا متعب. أنا احتاجك. أخطأت. سامحني.
وأن تعرف أيضًا متى تقول: هذه العلاقة لم تعد تصلح لي، بدلًا من أن تعاقب إنسانًا آخر باختفاء بطيء وتتركه شهورًا يحاول أن يفهم ما حدث.
ربما أكثر ما تغير في زمننا ليس الحب، وإنما قدرتنا على الهروب من المواجهة.
الشاشة جعلت الدخول إلى حياة الآخرين سهلًا، والخروج منها أسهل.
زر واحد يكفي للحظر.
رسالة يمكن ألا نجيب عنها.
ومحادثة عمرها سنوات يمكن أن تنتهي بعلامتي قراءة زرقاوين.
لكن خلف الشاشة إنسان.
وهذه هي النقطة التي أخشى أننا ننساها وسط قاموس العلاقات الجديد.
أنا من جيل عاش جزءًا كبيرًا من حياته قبل أن تصبح المشاعر «أونلاين»، وشاهد بعد ذلك كيف دخل الهاتف بين الناس حتى أصبح أحيانًا طرفًا ثالثًا في العلاقة.
ولا أحنّ إلى الماضي لمجرد أنه الماضي؛ فقد كانت فيه علاقات مؤذية وصمت ومجاملات اجتماعية كثيرة أيضًا.
لكن شيئًا واحدًا يستحق أن نحمله معنا منه:
أن نعامل العلاقة باعتبارها مسؤولية إنسانية، حتى عندما نقرر إنهاءها.
لذلك، إذا كان سبتمبر سيصبح شهرًا لمراجعة العلاقات، فليكن.
لكن ليس لأن «تيك توك» قال إن من بقي معك بعد الصيف سيكمل معك الشتاء.
بل لأننا جميعًا نحتاج، من وقت إلى آخر، أن ننظر حولنا ونسأل:
من الأشخاص الذين نحضر فعلًا في حياتهم؟
ومن الذين نكتفي بإرسال القلوب لهم؟
ومن ينتظر منا كلمة واضحة بينما نحن نتركه معلقًا بين الاقتراب والابتعاد؟
وربما السؤال الأصعب:
هل هناك شخص نحبه، لكننا أصبحنا نعامله وكأنه مضمون؟
إذا كان هناك شيء يستحق أن نتعلمه من ترند عابر اسمه «نظرية سبتمبر»، فهو ألا نؤجل العلاقات الحقيقية إلى موسم آخر.
فالناس لا تحتاج منا دائمًا إلى المزيد من الحب.
أحيانًا تحتاج فقط إلى المزيد من الوضوح.
قد يعجبك أيضًا
Authors
-
Tahani Elghazaly5184 المقالات
منشورات شائعة
-
شهادتك في الدرج؟ طريق الم...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 28, 2026
-
قبل أن تفقدي بيتك.. برامج...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 28, 2026
-
هل تغسلين الأرز قبل الطهي...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 28, 2026
-
«نظرية سبتمبر» تشعل نقاش...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 29, 2026
النشرة البريدية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على أحدث التحديثات!