أنت مفطور على ما يجب
- بقلم Tahani Elghazaly
- نشر في
بقلم آلاء سليمان
ثمة مفهوم آخر للوعي لا نتوقف عنده كثيرًا: أن تكون واعيًا بأمرٍ ما دون أن تكون قد أسهمت في صناعة هذا الوعي بمقدار أنملة. أن يكون الوعي أصيلًا فيك، سابقًا على القراءة والتجربة ومحاولات تطوير الذات.
وربما كانت هناك أشياء من الأفضل أن نكتفي فيها بوعينا الفطري، دون أن نجتهد في إعادة تشكيله.
قد يبدو هذا معاكسًا لما اعتدنا سماعه؛ فكل ما حولنا يدفع الإنسان إلى أن «يزيد وعيه»، وأن يطور نفسه، ويعيد النظر في أفكاره باستمرار. لكن ماذا لو كان بعض ما نحاول تطويره سليمًا في أصله؟ وماذا لو كان تدخلنا أحيانًا بداية تشويهه؟
حين نولد، نحمل ملامحنا الخاصة التي قُدّر لنا أن نكون بها؛ لون العينين، الشعر، وتفاصيل الوجه. وحين نكبر ونقرر تغيير شيء منها، نحتاج إلى تدخل خارجي يعيد تشكيل المظهر. قد يتغير الشكل، لكننا نظل نحن.
والوعي، في بعض جوانبه، يشبه ذلك.
قد نغير نظرتنا إلى شيء، أو نعيد صياغة فكرتنا عنه، أو نكسوه بتفسيرات جديدة، لكن شيئًا عميقًا في داخلنا يظل محتفظًا بإحساسه الأول؛ ذلك الإحساس الذي سبق كل المؤثرات.
لقد خلقنا الله على الفطرة، وفطرنا على الإسلام. والفطرة السليمة ليست نقصًا نحتاج إلى إصلاحه، بل نعمة عظيمة في ذاتها. وحين نقول إن الإنسان مفطور، فنحن لا نتحدث عن الشكل وحده، بل عن قابلية أصيلة للخير والسلام والرحمة، وعن ميزان داخلي يعرف أشياء قبل أن نتعلم أسماءها.
وهنا أتساءل: لماذا يصر الإنسان أحيانًا على تزويق ذاته؟
نضيف إلى أفكارنا طبقات من المفاهيم والمصطلحات، ونقتبس رؤى الآخرين، ونستعير طرقهم في تفسير أنفسنا والعالم. لكن السؤال الأهم هو: ممن نقتبس؟ وكيف تيقنا أن ما نضيفه أكثر وعيًا من فطرتنا؟ وكيف نعرف أنه سيحسننا دون أن يمس جوهرنا؟
ليس كل تغيير تطويرًا، وليس كل إضافة ارتقاء.
وربما لا نحتاج دائمًا إلى مزيد من الوعي.
بعض أشكال «الوعي» التي نلاحقها قد تكون أفكارًا خفية تتسلل إلينا لأنها تمنحنا شعورًا بأننا أصبحنا أكثر فهمًا لأنفسنا، بينما هي في الحقيقة تبعدنا عما نشعر به فعلًا، وعما كنا سنفعله لو تُركنا لفطرتنا.
ومن هنا يبدأ التأرجح.
شيء في داخلك يقول لك شيئًا، وما تعلمته يقول شيئًا آخر. إحساسك الأول يسحبك إلى جهة، والتحليل المفرط يسحبك إلى جهة مقابلة، فتجد نفسك عالقًا بين ما أنت عليه وما تعتقد أنك يجب أن تكونه.
وربما يكون الوعي الحقيقي أحيانًا هو أن تعي أنك واعٍ بالفطرة.
أن تدرك أنك قد تشوه شيئًا سليمًا فيك حين تحاول تزيينه أكثر مما ينبغي، أو حين تلبس أفكارك ثوبًا لا يناسب مكنونها.
في بعض المواقف، الأفضل أن تكون أنت فقط.
أن تكتفي بما لديك، وأن تسمح لنفسك، حين تقع في الوحل، أن تبحث عن النجاة بما أودع الله فيها، لا بما حفظته من عبارات الآخرين. أن تستثير مكنونك الفطري لتجد الحل، ثم تعرف بعد أن تنجو أن الفضل ليس لك وحدك.
شتان بين أن تقول: نجوت بما وهبني ربي، وبين أن تقول: نجوت لأنني كنت أكثر وعيًا.
الأولى امتنان، والثانية قد تحمل شيئًا من تضخم الذات.
فالإنسان لم يبدأ من الصفر. نحن لم نصنع أنفسنا، ولم نخلق أرواحنا، ولم نضع داخلنا استعدادات الرحمة والحب والتسامح والسلام.
ولعل الحب هو المثال الأقرب.
نولد ونحن نعرف شيئًا عنه قبل أن نعرف اسمه. يحب الطفل أمه وأباه دون أن يقرأ كتابًا عن الارتباط العاطفي أو نظريات العلاقات. الحب يأتي قبل التفسير.
ثم نكبر.
نقرأ كتابًا أو مقالًا يحدثنا عن الدلالات النفسية لتوبيخ أحد الوالدين لنا أو اعتراضه على تصرفاتنا. نتعلم مصطلحات جديدة، ونبدأ في إعادة قراءة طفولتنا من خلالها.
ولا شك أن بعض هذه المعرفة مفيد؛ فهي تساعد الإنسان على فهم الأذى، ووضع الحدود، ومعرفة نفسه. لكن الخطر يبدأ حين تتحول المعرفة إلى القالب الوحيد الذي نفسر من خلاله كل شيء.
قد نشرب الفكرة حتى تصبح ردود أفعالنا تابعة لما قرأناه، فنظن أننا بذلك أصبحنا أكثر وعيًا.
بينما لو تركنا مساحة لذلك الإنسان الأول في داخلنا، ربما وجدنا أنفسنا أكثر قدرة على التسامح، وأكثر ميلًا إلى البحث عن الأعذار، وأكثر هدوءًا في وزن الموقف.
ليس لأن كل خطأ يجب أن يُغتفر، ولا لأن كل أذى يجب أن يُبرر، بل لأن الفطرة تعرف أحيانًا كيف تحفظ الحب حتى وهي ترى الخطأ.
أما الإفراط في تحليل كل كلمة وكل جرح، فقد يجعل ردود أفعالنا أكبر من الموقف نفسه، ثم نكتشف لاحقًا أننا دخلنا متاهة جديدة اسمها تأنيب الضمير.
وهكذا قد يصبح الوعي الذي بحثنا عنه ليحمينا سببًا في تشتيتنا.
الوعي موجود فينا، وربما يكون أعظم أشكاله أن نعي وجوده دون أن نفتعله. أن نميز بين المعرفة التي تنير لنا الطريق، والمعرفة التي تجعلنا نشك في كل خطوة نخطوها.
ليس علينا أن نعيد تشكيل أنفسنا كلما قدم لنا العالم تفسيرًا جديدًا للحياة.
أحيانًا، كل ما نحتاج إليه هو أن نصغي جيدًا لما كان موجودًا فينا قبل كل تلك الأصوات.
فقد تكون الفطرة، في بعض الطرق، أكثر وعيًا منا حين نحاول جاهدين أن نكون واعين.
قد يعجبك أيضًا
Authors
-
Tahani Elghazaly5012 المقالات
منشورات شائعة
-
كارني إلى الأمم المتحدة ا...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 19, 2026
-
الأزرق والشراريب والأحزمة...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 19, 2026
-
إيكيا توسع عروضها منخفضة...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 19, 2026
-
الدولار الكندي يمدد خسائر...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 19, 2026
النشرة البريدية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على أحدث التحديثات!