الوضع المظلم
حين يغضب الطفل.. لا تبحثوا عن العقاب قبل أن تفهموا الرسالة

حين يغضب الطفل.. لا تبحثوا عن العقاب قبل أن تفهموا الرسالة

شارك
Latest news on WhatsApp أجدد الأخبار على واتساب

 

بقلم: زكرياء شيبوش
اختصاصي في الإرشاد النفسي والأسري

 

عندما يصرخ الطفل، يضرب، يرمي أغراضه أو يرفض كل ما يُطلب منه، ينشغل الأب والأم غالبًا بالسلوك الظاهر: كيف نوقف هذه العصبية؟ لكن السؤال الأهم ليس كيف نوقفها، بل من أين بدأت، ولماذا أصبحت هذه هي الطريقة التي يعبّر بها الطفل عن نفسه؟

 

فالطفل لا يولد عصبيًا بالمعنى الذي نستخدمه نحن الكبار. في سنواته الأولى، يكون البكاء والرفض والانفعال وسائل طبيعية للتعبير عن حاجات لا يستطيع شرحها بالكلمات. قد يكون متعبًا، جائعًا، خائفًا، محبطًا أو محتاجًا إلى الاهتمام. لذلك لا ينبغي أن نحول كل بكاء أو نوبة غضب في عمر مبكر إلى صفة ثابتة ونقول: "هذا طفل عصبي".

 

المشكلة تبدأ حين يكبر الطفل، وتتسع قدرته على الفهم والتعبير، لكنه يستمر في استخدام الصراخ والغضب باعتبارهما وسيلته الأسرع للتعامل مع ما لا يعجبه. وهنا يجب ألا نبحث عن السبب داخله وحده، بل أن ننظر أيضًا إلى ما يحدث حوله.

 

البيت هو المكان الأول الذي يتعلم فيه الطفل كيف يغضب.

 

إذا كان يرى أبًا يرفع صوته عندما يختلف، أو أمًا تفقد أعصابها عند الضغط، فسوف يتعلم أن الصوت المرتفع وسيلة طبيعية لحل الخلاف. وإذا كان الخلاف بين الوالدين حاضرًا بصورة مستمرة، أو كانت العلاقة بينهما مليئة بالتوتر، فإن الطفل قد يشعر بعدم الأمان حتى وإن لم يفهم تفاصيل ما يحدث.

 

وأحيانًا تكون المشكلة في أسلوب التربية نفسه. أب يمنع وأم تسمح. قرار اليوم يصبح مسموحًا غدًا. الطفل يُعاقب مرة على سلوك، ثم يُتجاهل السلوك نفسه في مرة أخرى. هذه الرسائل المتناقضة تربكه، وتجعله يختبر الحدود باستمرار.

 

وهناك خطأ آخر يقع فيه بعض الآباء من دون قصد: الخوف من غضب الطفل. فيصرخ الطفل من أجل لعبة، فيحصل عليها. يرفض النوم، فيتراجع الوالدان. يثور لأنه لا يريد مغادرة مكان ما، فيُسمح له بالبقاء. ومع تكرار ذلك، يتعلم الطفل قاعدة بسيطة جدًا: عندما أرفع صوتي، يتغير قرار الكبار.

 

وفي المقابل، لا تُحل المشكلة بالقسوة. الطفل الذي يُضرب لأنه ضرب، أو يُصرخ في وجهه لأنه صرخ، لا يتعلم الهدوء. هو يتعلم فقط أن الأقوى يستطيع استخدام العنف عندما يغضب.

 

فكيف نكسر هذه الدائرة؟

البداية أن يغيّر الوالدان طريقة النظر إلى نوبة الغضب. عندما يكون الطفل في ذروة انفعاله، ليس هذا وقت المحاضرات ولا التحقيق معه. المهم أولًا تأمين الموقف ومنع الأذى، ثم التحدث معه بجملة قصيرة وواضحة: "أنت غاضب، وأنا أفهم ذلك، لكن الضرب غير مسموح".

 

بهذه الطريقة نفصل بين الشعور والسلوك. الغضب مسموح، والإيذاء غير مسموح.

 

بعد أن يهدأ الطفل، يأتي الجزء الأهم. نساعده على فهم ما حدث: ما الذي أغضبك؟ ماذا كنت تريد؟ ماذا يمكنك أن تفعل في المرة المقبلة بدل الصراخ؟ هنا يبدأ الطفل في بناء مفرداته العاطفية، ويتعلم أن يقول "أنا منزعج" أو "هذا أزعجني" بدل أن يحول مشاعره مباشرة إلى سلوك مؤذٍ.

 

ومن الضروري أن يتفق الأب والأم على قواعد أساسية واضحة. ليس المطلوب أن يتطابقا في كل شيء، لكن لا ينبغي أن يصبح الطفل ساحة لصراع تربوي بينهما. فالحدود التي يعرفها الطفل مسبقًا تمنحه الأمان أكثر مما تقيده.

 

كذلك يجب ألا يكون اهتمامنا بالطفل مرتبطًا فقط بأخطائه. عندما يهدأ من تلقاء نفسه، أو ينتظر دوره، أو يطلب شيئًا بأدب، ينبغي أن يسمع منا أننا لاحظنا ذلك. المدح المحدد أقوى من المدح العام: "أعجبني أنك كنت غاضبًا لكنك لم تضرب"، أفضل من مجرد "أنت ولد شاطر".

 

ولا ينبغي تحويل كل شيء إلى معركة. إذا رفض الطفل وجبة أحيانًا، أو أراد الاستمرار في اللعب قليلًا، فليس من الضروري إثبات سلطة الأب والأم في كل موقف صغير. التربية ليست عدد الأوامر التي يطيعها الطفل، بل قدرته تدريجيًا على اتخاذ قرارات أفضل وتحمل نتائجها.

 

والحب هنا ليس تدليلًا. العلاج بالحب يعني أن يشعر الطفل أن مكانه في الأسرة آمن، وأن الخطأ لا يهدد محبتنا له، لكنه لا يعفيه من الحدود والمسؤولية. الطفل يحتاج إلى الاحتواء بقدر حاجته إلى القواعد.

 

أما إذا كانت نوبات الغضب شديدة ومتكررة، أو صاحبها إيذاء للنفس أو للآخرين، أو بدأت تؤثر في المدرسة والعلاقات والحياة اليومية، فلا ينبغي الاكتفاء بوصف الطفل بأنه "عصبي". عندها يجب البحث بصورة أعمق والاستعانة بمتخصص لفهم الأسباب.

 

فالغاية ليست أن نصنع طفلًا لا يغضب. كل إنسان يغضب.

 

الغاية أن نربي طفلًا يعرف ماذا يفعل بغضبه، وكيف يعبّر عنه من دون أن يؤذي نفسه أو الآخرين. وقبل أن نطالب أطفالنا بالهدوء، علينا أحيانًا أن نسأل أنفسنا السؤال الأصعب: ماذا يتعلمون منا عندما نغضب؟