الوضع المظلم
حين يعرف الجسد قبلنا

حين يعرف الجسد قبلنا

شارك
Latest news on WhatsApp أجدد الأخبار على واتساب

 

بقلم د. مصطفى حسن

نحن بارعون أحيانًا في إقناع أنفسنا بأننا بخير.

نستيقظ، نذهب إلى أعمالنا، نرد على الرسائل، نعتني بمن حولنا، ونواصل يومنا كأن قدرتنا على الاستمرار دليل على أننا لم نتعب.

 

لكن الاستمرار ليس دائمًا دليلًا على العافية.

أحيانًا يكون الإنسان قد تجاوز حدوده منذ وقت طويل، بينما لا يزال يقول لنفسه: «أستطيع التحمل».

الجسد أقل مجاملة.

 

قد يسبقنا إلى الحقيقة: نوم مضطرب، نبض أسرع من المعتاد، تنفس متوتر، إرهاق مستمر أو شعور داخلي بالاستنفار لا نعرف له سببًا واضحًا.

من هنا تأتي أهمية تقنيات Biofeedback والأجهزة القابلة للارتداء. ليس لأنها تعرف مشاعرنا، ولا لأنها تستطيع تشخيص حياتنا من خلال رقم، بل لأنها قد تلفت انتباهنا إلى شيء لم نعد نراه.

 

وهنا تحديدًا يجب ألا نخلط بين القياس والفهم.

الساعة تستطيع أن تخبرك بأن نبضك ارتفع، لكنها لا تعرف لماذا.

لا تعرف أن مكالمة معينة ترهقك كل مرة. ولا تعرف أن بيتًا مليئًا بالصمت يمكن أن يكون أكثر ضغطًا من يوم عمل مزدحم. ولا تعرف أن بعض الناس يبدون هادئين لأنهم تعلموا كتمان ما يشعرون به، لا لأنهم بخير.

 

لهذا لا ينبغي أن يكون السؤال:
ماذا قالت الساعة عني اليوم؟

بل:
ما الذي يحدث في حياتي ويجعل جسدي يقول هذا؟

 

هذه، في رأيي، هي القيمة الحقيقية للصحة العاطفية الشخصية.

ليست في جمع المزيد من البيانات، بل في اكتشاف النمط الذي يخصك أنت.

ربما تجد أن جسدك يتوتر في مواقف كنت تسميها عادية. وربما تكتشف أن ما كنت تعتبره «تحملًا» كان استنزافًا، وأن ما كنت تسميه «طموحًا» لم يترك لك مساحة كافية للراحة.

 

لكن علينا أن نحذر أيضًا من أن تصبح التكنولوجيا مصدرًا جديدًا للقلق.

إذا استيقظت تشعر أنك بخير ثم أقنعتك شاشة صغيرة بأنك لست بخير، فهناك مشكلة. وإذا أصبحت تراقب الأرقام أكثر مما تراقب حياتك، فقد تحول القياس من وسيلة للفهم إلى شكل آخر من أشكال الضغط.

الاستخدام الصحي بسيط:

 

لاحظ الإشارة. افهم سياقها. ثم استجب لها.

قد تكون الاستجابة نومًا أفضل، أو حركة، أو حدودًا أوضح، أو حديثًا صريحًا، أو مساعدة متخصصة حين تحتاج إليها.

فالمطلوب ليس أن نعيش بأرقام مثالية.

 

المطلوب أن نتوقف عن انتظار الانهيار حتى نعترف بأن شيئًا في حياتنا يحتاج إلى التغيير.

وأفضل ما يمكن أن تقدمه لنا التكنولوجيا ليس أن تعرفنا بأنفسنا بدلًا منا، بل أن تعيد تدريبنا على مهارة كدنا نفقدها:

أن نصغي إلى أنفسنا قبل أن يضطر الجسد إلى رفع صوته.