حين يصبح الإنسان آخر من يرحم نفسه
- بقلم Tahani Elghazaly
- نشر في
بقلم: د. مصطفى حسن
هناك نوع من التعب لا يأتي من يوم طويل، ولا من ليلة نوم سيئة، ولا من مشكلة عابرة. هناك تعب يتكون بهدوء، يومًا بعد يوم، حتى يسكن في الروح قبل الجسد. تظل تقوم بما يجب عليك، ترد على الرسائل، تذهب إلى العمل، تعتني بمن حولك، تحمل القلق، تخفي الخوف، وتبتسم حين لا يكون داخلك أي مساحة للابتسام.
ثم يأتي يوم لا تستطيع فيه أن تشرح ما بك. لست مريضًا بالمعنى الواضح، ولست حزينًا بسبب شيء واحد يمكن تسميته. أنت فقط منهك. كأن شيئًا داخلك تم استنزافه ببطء، ولم يعد يعرف كيف يعود إلى مكانه.
هذا ما نسميه فرط الضغط والإرهاق العاطفي. ليس ضعفًا في الشخصية، ولا قلة إيمان، ولا فشلًا في التحمل. إنه ببساطة نتيجة طبيعية لأن تطلب الحياة من الإنسان أكثر مما تمنحه من راحة. حين تزيد المطالب، وتقل فرص التعافي، يبدأ الإنسان في دفع ثمن لا يراه الآخرون.
قد يظهر الإرهاق العاطفي في صورة عصبية مفاجئة، أو نوم مضطرب، أو تشتت، أو فقدان للفرح، أو رغبة في الصمت والانسحاب. قد تجد نفسك غير قادر على احتمال أشياء كنت تتجاوزها بسهولة. قد تنفعل من كلمة، أو تبكي من موقف صغير، أو تشعر أنك لم تعد تملك شيئًا تعطيه. وفي الحقيقة، أنت لا تبالغ. أنت فقط وصلت إلى مرحلة كان يجب أن تتوقف عندها منذ وقت طويل.
أصعب ما في هذا النوع من الإرهاق أنه غالبًا يصيب الأشخاص الذين اعتادوا أن يكونوا أقوياء. الذين يقال عنهم دائمًا إنهم يتحملون. الذين يعتمد عليهم الجميع، فينسى الجميع أنهم يحتاجون إلى من يسندهم أيضًا. هؤلاء قد يشعرون بالذنب إذا ارتاحوا، وقد يعتذرون عن تعبهم، وقد يقنعون أنفسهم بأن عليهم الاستمرار لأن غيرهم يحتاج إليهم.
لكن الإنسان لا يستطيع أن يكون بيتًا مفتوحًا للجميع، بينما داخله بلا مأوى.
القلب الذي يعطي طوال الوقت يحتاج أن يستقبل شيئًا أيضًا. يحتاج إلى كلمة حانية، إلى نوم بلا قلق، إلى مساحة لا يطلب فيها أحد شيئًا، إلى شخص يقول له: “أنا شايف تعبك”. ليس كل من ينهار كان ضعيفًا، أحيانًا يكون قد ظل قويًا لفترة أطول مما ينبغي.
والخطير أن الإرهاق العاطفي عندما يطول يصبح مألوفًا. يبدأ الإنسان في التعود على نسخة باهتة من نفسه. يتعود على قلة الحماس، وعلى المزاج الحاد، وعلى الشعور الداخلي بأنه “مش قادر”. ومع الوقت، يظن أن هذه هي طبيعته الجديدة، بينما هي في الحقيقة رسالة استغاثة من داخله.
جسدك حين يصرخ لا يريد أن يحرجك. قلبك حين يتعب لا يريد أن يعطلك. مشاعرك حين تفقد قدرتها على الاحتمال لا تخونك. هي فقط تقول لك إنك لم تعد تستطيع أن تستمر بالطريقة نفسها.
لذلك، أول خطوة ليست أن تصلح كل شيء. أول خطوة أن تلاحظ. اسأل نفسك بصدق: ما العلامات التي تقول لي إنني تجاوزت طاقتي؟ هل أصبحت عصبيًا أكثر؟ هل فقدت رغبتي في الكلام؟ هل صارت المهام الصغيرة تبدو ثقيلة؟ هل أهرب إلى الهاتف، أو الصمت، أو النوم، فقط كي لا أشعر؟
ثم سم ما يستنزفك. أحيانًا نحن لا نتعب من الحياة كلها، بل من عبء واحد أخذ مساحة أكبر مما يستحق: علاقة مرهقة، مسؤولية بلا مشاركة، خوف مالي، قلق على مريض، عمل لا ينتهي، أو إحساس مؤلم بأننا نحمل كل شيء وحدنا.
بعد ذلك، لا تنتظر حلًا كبيرًا. ابدأ بخطوة صغيرة. قلل مطلبًا واحدًا. اعتذر عن التزام لا تقدر عليه. نم ساعة أبكر. امش قليلًا. أغلق هاتفك لبعض الوقت. تحدث مع شخص آمن. اطلب مساعدة من دون أن تبرر تعبك. فالإنسان لا يحتاج أن ينهار رسميًا حتى يحصل على حقه في الراحة.
اسأل نفسك اليوم: ما الشيء الذي أحمله منذ وقت طويل من دون راحة؟ ما أكثر ما يستنزفني الآن؟ هل أسمح لنفسي أن أرتاح قبل أن أصل إلى نقطة الانهيار؟ وما الذي يعيد إليّ شيئًا من نفسي، لا جسدي فقط؟
جرب أن تكتب جملتين فقط:
شيء واحد أحتاج إلى تقليله الآن هو...
شيء واحد أحتاج إلى زيادته الآن هو...
أحيانًا تكشف لنا هذه الجمل البسيطة حقيقة نعرفها في داخلنا، لكننا نؤجل الاعتراف بها.
وإذا استمر الإرهاق لأسابيع، أو بدأ يؤثر في نومك، أو عملك، أو علاقتك بالناس، أو جعلك تشعر باليأس، أو الخدر، أو العجز عن التعامل مع الحياة اليومية، فهذه علامة مهمة على أنك تحتاج إلى دعم أعمق. طلب المساعدة ليس رفاهية، وليس عيبًا. إنه احترام للحياة التي بداخلك قبل أن تنطفئ أكثر.
الخلاصة أن الضغط الزائد لا يعني أنك تفشل. يعني أنك إنسان. يعني أن داخلك يحتاج إلى عناية، وراحة، ولطف، ودعم. لا تنتظر حتى تنكسر كي تصدق أنك تعبت. أحيانًا تكون أشجع خطوة هي أن تتوقف قليلًا، وتقول لنفسك أخيرًا: أنا أيضًا أستحق الرحمة.
قد يعجبك أيضًا
Authors
-
Tahani Elghazaly5036 المقالات
منشورات شائعة
-
ابتداءً من غدٍ.. دورة مجا...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 20, 2026
-
Shopify تصبح أول شريك للت...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 20, 2026
-
مصطفى خاطر يواصل العلاج ف...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 20, 2026
-
كندا وفرنسا توسعان شراكته...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 20, 2026
النشرة البريدية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على أحدث التحديثات!