حين يصبح الاختلاف جسرًا لا جدارًا.. قصص صغيرة تعيد معنى التعايش
- بقلم Tahani Elghazaly
- نشر في
في عالم تتسع فيه مساحات الانقسام وتعلو فيه لغة التصنيف على لغة التعارف، تبقى هناك مشاهد إنسانية صغيرة تقول إن التعايش ليس فكرة مثالية بعيدة، بل ممارسة يومية تبدأ عندما يرى الإنسان الآخر باعتباره إنسانًا أولًا، قبل اسمه أو دينه أو جنسيته أو لون بشرته.
قد يظهر هذا المعنى في موقف بسيط داخل متجر، عندما تساعد امرأة شخصًا مهاجرًا لا يجيد اللغة على فهم ما يقال له، أو في جار يطرق باب جاره لأنه لم يره منذ أيام ويريد الاطمئنان عليه، أو في طفلين من خلفيتين مختلفتين يجلسان معًا في فصل دراسي ويتشاركان الطعام والضحك من دون أن يسأل أحدهما الآخر عن انتمائه.
هذه التفاصيل اليومية قد تبدو صغيرة، لكنها تكشف جانبًا أساسيًا من معنى السلام: الاختلاف لا يعني العداء.
فالتعايش لا يطلب من الناس التخلي عن معتقداتهم أو ثقافاتهم أو آرائهم، ولا يفترض أن يصبح الجميع متشابهين. جوهره أن يستطيع الإنسان الاحتفاظ بهويته، وفي الوقت نفسه يعترف بحق الآخر في الكرامة والأمان والاحترام.
وتظهر قوة هذا المعنى بصورة أوضح في لحظات المرض أو الفقد أو الأزمات، حين تتراجع الأسئلة المتعلقة بالهوية، ويصبح السؤال الإنساني البسيط هو الأهم: هل أنت بخير؟ وهل تحتاج إلى مساعدة؟
لكن المجتمعات تواجه في المقابل خطرًا متزايدًا عندما تتحول الاختلافات إلى تصنيفات حادة: «نحن» و«هم»، أو عندما يصبح التعاطف انتقائيًا، فيُمنح لضحية ويحجب عن أخرى تبعًا للدين أو الجنسية أو الانتماء.
فالكرامة الإنسانية لا يمكن أن تكون امتيازًا لفئة دون أخرى، كما أن الرحمة التي تتغير وفق هوية الشخص تفقد جزءًا أساسيًا من معناها.
ويلعب الإعلام دورًا مهمًا في هذه المساحة. فخلف كل رقم يرد في خبر عن حرب أو كارثة أو حادث، توجد حياة كاملة: أم تنتظر ابنها، وأب فقد فردًا من أسرته، وطفل لا يفهم لماذا تغير عالمه فجأة.
ولهذا تظل القصص الإنسانية قادرة على إعادة الروح إلى الخبر، لأنها تذكر القارئ بأن الأشخاص الذين يظهرون لبضع ثوانٍ على الشاشة كانت لهم أحلام وأسر وخطط لليوم التالي، تمامًا مثل أي شخص آخر.
وقد لا يستطيع فرد واحد إنهاء حرب أو إيقاف صراع، لكنه يستطيع رفض المشاركة في صناعة الكراهية؛ بأن يرفض التعميم، وألا يحكم على شعب كامل بسبب تصرف فرد، أو على دين كامل بسبب متطرف، أو على مهاجر بسبب صورة نمطية.
السلام الكبير يبدأ غالبًا من قرارات تبدو صغيرة: كلمة جارحة نقرر ألا نقولها، إهانة نرفض مشاركتها، إنسان مختلف عنا ندافع عن حقه في الكرامة، وقصة نختار أن نرويها بطريقة تذكّر الآخرين بما يجمع البشر قبل ما يفرقهم.
وربما يكون السؤال الأهم اليوم، وسط كل ما يشهده العالم من صراعات وانقسامات: هل ما زلنا قادرين على رؤية الإنسان قبل هويته؟
إذا بقيت الإجابة نعم، فإن مساحة الأمل ما زالت موجودة.
فالسلام لا يبدأ فقط على طاولات المفاوضات، بل يبدأ في البيت، والمدرسة، والشارع، ومكان العمل، وفي الطريقة التي نتحدث بها عن بعضنا البعض.
قد يعجبك أيضًا
Authors
-
Tahani Elghazaly5140 المقالات
منشورات شائعة
-
مفترق الطرق.. حين لا يكون...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 26, 2026
-
Nine Muslim Schools Heigh...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 26, 2026
-
رسالة تهديد واحدة تضع 9 م...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 26, 2026
-
واشنطن توسّع حملة الضغط ع...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 26, 2026
النشرة البريدية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على أحدث التحديثات!