الوضع المظلم
سيجار مشتعل / بقلم: أميمة عبدالعزيز

سيجار مشتعل / بقلم: أميمة عبدالعزيز

شارك
Latest news on WhatsApp أجدد الأخبار على واتساب

 

 بقلن / أميمة عبدالعزيز

تتسارع أنفاسه مع اقتراب موعد لقائهما. لا يعلم ماذا يقول. أُعجب بها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وتواعدا على اللقاء. وضع سيارته الفارهة في مكان الانتظار، ووصل الكافيه قبل الموعد.

 

يدقق النظر في كل فتاة تدخل. لم يرَ سوى صورة واحدة لها: فتاة جميلة، آراؤها جريئة، تمتلك رقة الإحساس، هكذا تخيلها.

حاول الهدوء. أشعل سيجارًا. تطاير الدخان حوله، وصنع صورة جميلة للقائهما. يكاد يسمع سيمفونية الفرح لبيتهوفن. لا يعلم لماذا يدق قلبه هكذا، أهو التوتر أم...؟

 

مرت الدقائق كالدهر. دُفع الباب بقوة، فنظر الجميع. فتاة ترتدي ألوانًا متنافرة، علكة تتأرجح في فمها، تنظر يمينًا ويسارًا، ثم بصوت مرتفع: "جمال ياسين.. أنت فين؟"

 

كادت الدماء تتجمد في عروقه. وقف ورفع يده في صمت. نظر الجميع إليه نظرة اشمئزاز، وعلت الهمهمات. لم تكترث، وكأنها لم تفعل شيئًا. أسرعت إلى طاولته وجلست، وما زال حوار العلكة ولسانها قائمًا.

 

ابتسمت محاولة أن تظهر الرقة، فظهرت العلكة الخضراء. اعتدلت في جلستها وكأن شيئًا لم يحدث، وبدأت تتحدث عن إعجابها بمنشوراته وصورته بالمايوه، وسعادتها بلقائه.

 

شعر بوجود خطأ ما. التزم الصمت، وأخرج سيجارًا وأشعله. توقفت عن الكلام وأخذت تنظر إلى السيجار وكأنه كائن فضائي، ثم تحولت قسمات وجهها وأشارت إليه متعجبة: "أنت بتولع سيجار؟! وإيه مالها الكليوباترا؟ كفرت!"

 

كلماتها كانت صادمة. أخرسته المفاجأة، خاصة وأنها تمتلك حنجرة قوية. شعر بأنه قطعة تبغ تشتعل خجلًا وسط نظرات التعجب من الجميع.

 

استطردت دون انتظار إجابة: "بعد الجواز تنسى خالص السجاير. عيالنا أولى بالفلوس. طبعًا مصاريف ولادة وحضانة ومدارس ودروس ودكاترة.. ولا إيه؟"

 

ما هذا؟ هل وقع داخل مسلسل كوميدي، أم هذا كابوس؟ حاول تجميع أفكاره، وكل همه الخروج من هذا الكابوس: "يا أستاذة أمل، عيال إيه وكليوباترا إيه؟ وبعدين ما لكِ وما للسيجار؟ أنا طلبت أقابلك نتعرف، ما رحتش طلبت إيدك من أهلك. وبعدين أنا حر أشرب سيجار ولا ما أشربش!"

 

انتفضت أمل وكأن ثعبانًا لدغها، ونظراتها تشتعل كالسيجار: "معنى كلامك إنك جاي تتسلى حضرتك؟ وأنا اللي كنت فاكراك ابن أصول. أتاريك بتشرب سيجار ولا هامك النيش ولا التنجيد."

 

"لا.. بقولك إيه؟ التنجيد على العروسة، والنيش اللي بيحنطوا فيه الكاسات والفناجين بقى موضة قديمة."

 

"هي حصلت كده؟ أنا الفار لعب في عبي من ساعة ما طلبت نتقابل في المكان النيش ده. قلت ده مش عايش عيشة أهله."

"هي حصلت. اسكتي بقى كفاية. أنا الغلطان يا ستي، راسك أبوسها."

 

"أوعى إيدك تتمد عليا. كمان عاوز تبوسني؟ يا ناس شاهدين. أجيب لك بوليس الآداب دلوقتي؟"

"أنا آسف يا هانم.. سلام عليكم!"

 

خرج جمال مسرعًا إلى الخارج. وصل إلى سيارته، وهو يقسم بعدم دخول هذا الكافيه، وإغلاق مواقع التواصل جميعًا. يكفيه ما حدث.

 

خرجت "أمل" خلفه مسرعة. رأته وهو يركب سيارته الفارهة، فلم تصدق عينيها. أسرعت إليه، تبتسم وتعتذر عما بدر منها: "ما كنتش أعرف إن أمي دعيالي. متزعلش.. اشرب سيجار براحتك. بلا كليوباترا بلا مارلبورو."

 

أطفأ جمال السيجار، نظر إليها وقال: "أنتِ طالق"، وغادر مسرعًا.

 

لم تتوقع "أمل" تصرفه. سارت إلى أقرب موقف للتوك توك، وأخرجت علكة جديدة بعد أن بصقت القديمة على الأرض، وعادت تتحاور مع علكتها وتكتب منشورًا عن الغدر نشرته على صفحتها.