كندا قبل قمة السبع… هل تبحث أوتاوا عن هامش استقلال أوسع عن واشنطن؟
- بقلم Tahani Elghazaly
- نشر في
تدخل كندا أسبوعاً سياسياً مهماً مع تحرك رئيس الوزراء مارك كارني في أوروبا قبل قمة قادة مجموعة السبع في فرنسا، وسط سؤال يتجاوز جدول اللقاءات الرسمية: هل تحاول أوتاوا بناء “طريق ثالث” يمنحها مساحة أكبر في التجارة والدفاع والتكنولوجيا، من دون أن تقطع علاقتها العميقة مع الولايات المتحدة؟
وأعلن مكتب رئيس الوزراء أن كارني يقوم بجولة من 11 إلى 17 يونيو تشمل فرنسا وإيرلندا والمشاركة في قمة مجموعة السبع، بهدف تعميق شراكات كندا في ملفات التجارة والدفاع والتكنولوجيا، وهي ملفات لم تعد اقتصادية فقط، بل أصبحت مرتبطة مباشرة بالأمن القومي وبقدرة الدول على حماية مصالحها في عالم أكثر اضطراباً.
في باريس، يركز التحرك الكندي على تعزيز التعاون مع فرنسا في قطاعات تشمل التجارة، والدفاع، والذكاء الاصطناعي، والتقنيات الكمية، والمعادن الحيوية. وفي إيرلندا، تتسع المحادثات لتشمل الابتكار الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والصناعات الدوائية، والمناخ. أما في قمة السبع، فتحاول كندا تثبيت صورتها كشريك موثوق في الأمن الاقتصادي، والطاقة النظيفة، والتكنولوجيا الناشئة.
لكن الرسالة الأعمق في الجولة تبدو واضحة: كندا لا تريد الابتعاد عن واشنطن، لكنها تريد ألا تبقى خياراتها محصورة في واشنطن وحدها. فالعلاقة مع الولايات المتحدة ستظل مركزية بحكم الجغرافيا والتجارة وسلاسل التوريد، لكن أوتاوا تبحث عن هامش حركة أوسع مع أوروبا وشركاء آخرين، خصوصاً في القطاعات التي تحدد شكل الاقتصاد القادم.
وقد عبّر كارني عن هذه الفكرة في دبلن عندما تحدث عن دور “الدول المتوسطة” في عالم تتنافس فيه القوى الكبرى. وقال إن هذه الدول لا يجب أن تنشغل فقط بكسب رضا القوى الأكبر، بل يمكنها أن تتعاون لصناعة مسار ثالث مؤثر. هذه ليست قطيعة مع الولايات المتحدة، بل محاولة لبناء توازن أذكى: شراكة مع واشنطن، وانفتاح أكبر على أوروبا والعالم.
ويأتي هذا التوجه في وقت لا تستطيع فيه كندا تجاهل واقع الاعتماد الاقتصادي على السوق الأميركية. فبحسب Reuters، ما تزال الولايات المتحدة تستحوذ على نحو 70% من صادرات كندا، بينما تبقى أكثر من 85% من التجارة الثنائية معفاة من الرسوم بفضل اتفاق USMCA. وهذا يعني أن أي حديث عن تنويع الشراكات يجب أن يظل واقعياً، لأن فك الارتباط الكامل ليس خياراً عملياً في المدى القريب.
لهذا تبدو استراتيجية كارني أقرب إلى تقليل المخاطر لا تغيير الاتجاه بالكامل. فالحكومة الكندية تريد الحفاظ على مزاياها داخل السوق الأميركية، لكنها في الوقت نفسه تسعى إلى توسيع بدائلها في أوروبا وآسيا وأسواق أخرى، حتى لا تتحول أي أزمة سياسية أو تجارية في واشنطن إلى أزمة مباشرة للاقتصاد الكندي.
واللافت أن الملفات المطروحة في الجولة ليست تقليدية. فالذكاء الاصطناعي، والتقنيات الكمية، والمعادن الحيوية، والدفاع، والطاقة النظيفة، أصبحت اليوم أدوات نفوذ مثلها مثل النفط والتجارة القديمة. ومن يملك هذه القطاعات أو يتحكم في سلاسل توريدها ستكون له قدرة أكبر على حماية اقتصاده وقراره السياسي.
بالنسبة للكنديين، قد تبدو قمة السبع بعيدة عن تفاصيل الحياة اليومية، لكنها في الحقيقة تلامس قضايا قريبة جداً: فرص العمل، أسعار السلع، مستقبل التكنولوجيا، الإنفاق الدفاعي، وأمان سلاسل التوريد. فكلما زادت قدرة كندا على تنويع شراكاتها، أصبح اقتصادها أقل عرضة للضغط عند تغير السياسات الأميركية أو تصاعد التوترات العالمية.
قمة السبع لن تحسم وحدها مستقبل العلاقة بين كندا والولايات المتحدة، لكنها تكشف اتجاهاً جديداً في أوتاوا: البقاء قريباً من واشنطن، مع بناء مساحة أوسع خارجها. كندا لا تغادر شراكتها الأميركية، لكنها تحاول أن تدخل المرحلة القادمة بقدرة أكبر على الاختيار.
قد يعجبك أيضًا
Authors
-
Tahani Elghazaly5242 المقالات
منشورات شائعة
-
13 عملاً في القائمة القصي...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 1, 2026
-
مونتريال تستضيف لقاءً تحض...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 1, 2026
-
الكبد والحمل.. لماذا تحذّ...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 1, 2026
-
أكتوبر الوردي: 89 امرأة ت...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 1, 2026
النشرة البريدية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على أحدث التحديثات!