نفذ الشعاع بالتابوت | لم أعد درجات سُلَّمه
- بقلم Tahani Elghazaly
- نشر في
نفذ الشعاع بالتابوت
بقلم الأديبة أميمة عبد العزيز
درجات السلم لا تستقر تحت قدمي، أتمسك بالدرابزين بشدة، أنفاسي متلاحقة، أحاول اللحاق به، وهل كان يكترث إن فعلت؟
ترك كل شيء خلفه. كان يغضب كثيرًا، لكن هذه المرة لم يغفر لي.
طار عقل مها، وفقدت قدمها الإحساس، ومع ذلك استمرت تضغط على البنزين. انقلبت السيارة، وغابت عن الوعي.
عامر... عامر... لماذا تهرب مني؟ ماذا فعلت لكل هذا؟ كيف أغيّر من طباعي؟ أنت تطلب المستحيل.
أرجوك لا تتركني هكذا... عامر... عامر... لا تدفعني. أنا أقف على حافة الهاوية. اتركني، ماذا تفعل؟ سأسقط.
أفيقي يا مدام، لا تخافي، أنتِ الآن في أمان. لقد زال الخطر.
آه... رأسي. ماذا حدث؟ أين أنا؟ من أنتم؟
أنتِ في المستشفى إثر حادث انقلاب سيارتك وارتطامها بشجرة. أرجو أن تحافظي على هدوئك قدر الإمكان، فقد أصبتِ بارتجاج في المخ.
مرت ثلاثة أيام على الحادث. بالتأكيد لن أستطيع اللحاق به. انتهى الأمر. غادر إلى موسكو. وحان وقت الصمت، بعد أن فقدت الحروف معناها.
هذا هو اليوم الثالث على رحيله، وما زلت أحيا.
عشر سنوات لم أتخذ فيها قرارًا واحدًا. لم تعد الحياة بالنسبة لي سوى عامر: رغباته، نجاحاته، ما يحب وما يكره. فنيتُ ليقف على قمة الجبل، ثم قذف بي إلى الهاوية.
أشعر بالتجمد، كأنني محاصرة داخل مكعب ثلجي في عمق المحيط.
عشر سنوات جمعتنا في بيت واحد، أوصدت أبوابي عليه، ولم أنظر يومًا إلى مرآتي لأكتشف ذاتي. ارتضيت أن أقف خلفه. كان نجاحي هو نجاحه.
منذ اللحظة الأولى التي رأيته فيها، شعرت بانجذاب نحوه. رأيته رجلًا وسيمًا، أنيقًا، طموحًا، ميسور الحال. كان يعمل في مجال السياحة، ويُعدّ الدكتوراه في الاقتصاد. حضر مع صديق والدي لأنه كان يبحث عن عروس جميلة، مثقفة، من عائلة طيبة.
كان زواجنا حلمًا لم يكتمل.
اتخذته حبيبًا، واتخذني سُلَّمًا.
بدأت الخلافات بسيطة، ثم تلبدت سماؤنا بغيوم قاتمة من تراكمات السنين.
عامر، أشعر أنك لست على ما يرام.
ألا تعلمين السبب؟ ألم أطلب منكِ مرات عدة أن تلتزمي الصمت حين ألتقي أصدقائي؟
نعم، طلبت، لكنني لم أستطع. الجميع كان يتحدث، وأردت أن أشارك برأيي، وقد أثنوا عليه جميعًا.
إنهم يجامِلونك لأنك زوجتي فقط. لقد ضقت ذرعًا. غدًا أسافر إلى موسكو وحدي. هناك سألتقي بكبار الشخصيات، ولن أحتمل أي أخطاء في تلك المقابلات. وربما يطول غيابي، لا أعلم إلى متى.
عامر! ماذا تريد أن تقول؟ هل لم أعد أليق بك بعد المنصب الجديد؟ قلها صراحة.
لا بد من النوم الآن، فلدي يوم شاق.
نام هو، وترك لي الأرق يمزقني.
هل هذه هي النهاية؟
وإذا كانت، فما مصيري بعد أن انعزلت عن العالم كله إرضاء له؟ هل يلفظني الجميع إن اقتربت الآن؟ لا بد من المحاولة. سأستيقظ قبله، وأتوسل إليه، وأقسم أنني لن أتفوه بكلمة.
مدام مها، مبروك. الدكتور صرّح بخروجك غدًا بعد مروره صباحًا. أرجو أن تتصلي بأحد أقاربك لمساعدتك، لأنك بحاجة إلى راحة تامة لمدة أسبوع آخر.
أخرج؟ لا عليكِ. لم يتبقَّ لي أحد. دفعتهم جميعًا إلى الهاوية. سأذهب وحدي إلى المنزل، وسأعتني بنفسي جيدًا، كما أجدت الاعتناء بالآخرين.
تسارعت عجلة الزمن، فيما تباطأت عقارب ساعة الحائط في بيتها.
تأكدت من رحيله إلى الأبد، وكان الاكتئاب سيد المشهد، ومحاولاتها للخروج من دائرته يائسة ومؤلمة.
ومع تناقص ما لديها من نقود، كاد رصيدها ينفد.
خرجت مها تبحث عن عمل لأول مرة في حياتها.
خرجت بعد أن تجاوزت الأربعين بقليل.
قابلت وجوهًا كثيرة.
حاولت أن تخرج من الهاوية، لكنها لم تجد ما يليق بها.
وجدت فقط ما يليق بمن فرطت طويلًا في حق نفسها.
عملت سكرتيرة في مصنع إبراهيم بيه، الذي استغل حاجتها إلى العمل، فكلّفها أيضًا بدور عاملة النظافة، وتجهيز البوفيه للضيوف والموظفين.
ورغم مؤهلها العالي وثقافتها، لم تستطع الرفض أو الاعتراض.
وكعادتها، عملت في صمت.
ورغم الألم النفسي والجسدي، تفانت في عملها.
حملت أعباء كثيرة على كتفيها بكل رضا، حتى تعلمت كل صغيرة وكبيرة.
قابلت العديد من الناس، الطيب والخبيث، ورأت ألوانًا متعددة من البشر.
تغيرت نظرتها المنغلقة إلى الحياة، واستطاعت أن تكسب محبة الجميع، بما غلب على مشاعرها وردود أفعالها من نزعة أمومة صادقة.
عاد عامر يبحث عنها، بعدما فشل في إيجاد من تعطيه عمرها وقلبها.
حاول أن يضمها إلى صدره، لكنها لفظته من أعماقها.
فقد بات غريبًا عنها.
مرت الشهور، ومرضت مها.
لم تعد تقوى على العمل، وأقعدها المرض أيامًا.
شعر إبراهيم بيه بارتباك العمل في غيابها، وأدرك أهمية وجودها، وخشي أن تترك العمل لصعوبته.
عادت بعد أيام، لتجد مقعدًا مريحًا في مكان يليق بقلبها الطاهر.
أُعفيت من مهام التنظيف والبوفيه، ورُقّيت إلى منصب مدير مكتب إبراهيم بيه.
لأول مرة، شعرت مها بنجاحها.
أخيرًا نفذ شعاع الشمس من بين الغيوم.
اجتهدت حتى انقشعت، ورأت أحلامها نجومًا تسطع في سماء صافية.
شيئًا فشيئًا، تعرفت إلى قدراتها، وتأكدت أن أصدقاءه لم يجاملوها يومًا كما زعم.
شعرت بثبات قدميها، وعرفت الابتسامة الطريق إلى شفتيها.
وتنحى عامر عن طريقها نهائيًا، حين لمح في عينيها بريقًا جديدًا.
أدرك أنها لم تعد درجات سُلَّمه التي يصعد عليها،
حين استطاعت أن تصعد وحدها إلى القمة.
الوسوم
قد يعجبك أيضًا
Authors
-
Tahani Elghazaly5252 المقالات
منشورات شائعة
-
مونتريال تستضيف لقاءً تحض...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 1, 2026
-
13 عملاً في القائمة القصي...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 1, 2026
-
قطر تعرض في تورونتو حصيلة...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 1, 2026
-
الكبد والحمل.. لماذا تحذّ...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 1, 2026
النشرة البريدية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على أحدث التحديثات!