الوضع المظلم
مهاجرات خارج الصندوق | أميرة الخطيب.. كل عام تعلن «اعتزالها»، ثم تعيدها العائلات إلى «الخان»

مهاجرات خارج الصندوق | أميرة الخطيب.. كل عام تعلن «اعتزالها»، ثم تعيدها العائلات إلى «الخان»

شارك
Latest news on WhatsApp أجدد الأخبار على واتساب

 

 

بعد كل موسم تقريبًا، تتخذ أميرة الخطيب القرار نفسه.

تنتهي الفعالية، تغادر العائلات والعارضون، وتهدأ أخيرًا تلك الحالة التي تبدأ قبل فتح الأبواب بشهور. وعندما تطمئن إلى أن كل شيء مر بسلام وأن الناس عادوا إلى بيوتهم سعداء، تقول لنفسها: خلاص يا أميرة، كفاية. نعتبر ده "ماتش الاعتزال".

 

فالذي يراه الزائر يومًا جميلًا في قاعة مزدحمة بالأسر والأطفال والمنتجات، تراه أميرة من الجهة الأخرى: شهورًا من التحضير، ورسائل لا تنتهي، وحجوزات وتغييرات ومشكلات مفاجئة، وضغوطًا تقول إنها زادت مع تغير السوق واتساع المشروع.

 

ولهذا يبدو قرار التوقف منطقيًا في كل مرة.

لكن بعد أن تهدأ قليلًا، تبدأ الرسائل.

صاحبة مشروع تسأل عن الموسم المقبل. عائلة تقول: "يلا، عايزين لَمّة الخان.. ما تتأخريش علينا".

وتقول أميرة لـ"تواصل نيوز":

"يمكن أنا فعلًا كل سنة بعلن اعتزالي بيني وبين نفسي، لكن الناس هي اللي بترجعني للخان تاني".

 

وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية لـ«الخان». فهي ليست فقط قصة بازار نجح، بل قصة مشروع صغير بدأ داخل بيت أم مهاجرة، ثم أصبح جزءًا من ذاكرة عائلات كاملة.

 

البداية كانت فانوسًا لأطفالها

 

عندما انتقلت أميرة من مصر إلى كندا عام 2015، كان أطفالها صغارًا.

كانت تريدهم أن ينتموا إلى بلدهم الجديد، من دون أن يفقدوا التفاصيل التي تربطهم بثقافتهم الأولى. وفي محاولة بسيطة لتحقيق ذلك، بدأت تستورد فوانيس رمضان لأطفالها.

 

ثم طلب الجيران فوانيس. وبعدهم، كما روت لاحقًا، جاء «جيران الجيران».

كبرت الدائرة، ومعها ظهرت فكرة أن ما تبحث عنه أميرة لأطفالها ربما تبحث عنه أسر كثيرة مثلها.

 

وفي مقابلة مع صحيفة The Charlatan عام 2026، قالت إنها أرادت لأطفالها أن يحتضنوا الثقافة الجديدة وأن يحتفظوا، في الوقت نفسه، بثقافتهم. ومع توسع الإقبال جاءت الخطوة التالية: «قلنا: لماذا لا نبدأ في تنظيم فعاليات للعائلات؟»

لم تعد المسألة إذن فانوسًا يُباع.

 

كان السؤال يتغير بهدوء: كيف يمكن للأسرة أن تعيش المناسبة، لا أن تشتري زينتها فقط؟

 

حين خرج «الخان» من فكرة السوق

 

مع الوقت، بدأت أميرة تضيف إلى «الخان» طبقات لم تكن موجودة في البداية.

في 2021، نظم «الخان» فعالية لتمكين الفتيات المسلمات، جمعت قصص نجاح لنساء مع بازار متعدد الثقافات شارك فيه أكثر من 30 عارضًا، إلى جانب الفوانيس والزينة المصرية الرمضانية.

وفي العام التالي، انتقلت الفكرة إلى الأطفال. ضمت فعالية Empowering Muslim Kids نماذج إيجابية من مجالات مختلفة، وأنشطة فنية وحرفية، وحناء ورسمًا على الوجوه، وألعابًا للصغار، إلى جانب أصحاب المشروعات والأطعمة المختلفة. وكانت مفتوحة للعائلات من مختلف الخلفيات.

 

لكن بعض أكثر التفاصيل دلالة لم تكن مرتبطة بعدد العارضين أو حجم القاعة.

في ورشة لكعك العيد، لم يكن المطلوب أن تشتري الأسر الكعك المصري جاهزًا فقط؛ تعلّم المشاركون كيف يصنعونه بأنفسهم. تحولت وصفة مرتبطة بذاكرة البيوت والأعياد إلى تجربة تنتقل إلى جيل يعيش بعيدًا عن البلد الذي جاءت منه.

 

وفي إحدى فعاليات عيد الأضحى، قدم «الخان» للأطفال تجربة تفاعلية تحاكي شعائر الحج، مع مجسم وأنشطة تساعدهم على رؤية الفكرة وفهمها بصورة أقرب إلى عالمهم.

 

هنا لم تعد الثقافة شيئًا معروضًا على طاولة.

أصبحت شيئًا يلمسه الطفل، ويشارك فيه، وربما يتذكره بعد سنوات.

"بيت بعيد عن البيت"

هذا المعنى هو ما تلخصه أميرة بعبارة “home away from home.”

تقول إن الهدف أصبح أن يكون «الخان» مكانًا يجتمع فيه الناس ويجدون شيئًا مما يفتقدونه بعيدًا عن أوطانهم.

وفي مايو 2026، خرجت الفكرة إلى مساحة أكبر مع مهرجان عائلي على ضفاف المياه في أوتاوا، ضم بازارًا خارجيًا، وأطعمة ومخبوزات تُعد أمام الزوار، وألعابًا للأطفال، ومساحة داخلية للعائلات، وأخرى هادئة للصلاة.

 

ومع ذلك، تبقى أميرة وراء كل هذا "فريقًا من شخص واحد"، كما سخرت في منشور حديث:

"أنا، ونفسي، وأنا".

فإلى جانب «الخان»، هي أم لثلاثة أبناء، وزوجة وابنة، ولديها وظيفة بدوام جزئي.

وهذا هو الجزء الذي لا يظهر في صور نهاية اليوم.

 

ما لا يراه الناس

تقول أميرة إن الفعالية تبدأ بالنسبة إليها قبل موعدها بشهور.

ومع اتساع المشروع، لم تعد التفاصيل أكثر فقط؛ أصبحت الضغوط أيضًا أكبر، وظهرت مواقف وصراعات لم تكن موجودة في البدايات.

 

ولهذا يصل بها الإرهاق بعد كل موسم إلى السؤال نفسه:

"أنا ليه أكمل وأدخل نفسي في كل ده، وأنا أصلًا في حالي طول الوقت؟"

لكن الإجابة لا تأتيها عادة في أثناء العمل.

تأتي بعدها.

في الرسائل، وفي العائلات التي تعود، وفي أصحاب المشروعات الذين يسألون عن الموعد المقبل.

وأحيانًا تأتيها في صورة إنسان يقف أمامها، فتكتشف فجأة كم مر من الوقت.

 

بنات المدرسة أصبحن عرائس

عندما سألتها «تواصل نيوز» عن طفل أو أسرة تتذكر أنها كبرت مع «الخان»، لم تستطع اختيار شخص واحد.

قالت:

"كتيييير... مش طفل ولا اثنين ولا أسرة واحدة".

 

هناك عائلات أصبح «الخان» بالنسبة إليها موعدًا سنويًا للّمة. تقول أميرة إنها عندما ترى فردًا منها يصل، تعرف أن الباقين في الطريق.

 

وهناك فتيات كن يتطوعن معها وهن في المدرسة.

 

هذا العام، جاءت اثنتان منهن للحصول على فوانيس لبيتيهما بعدما تزوجتا وفتحت كل منهما بيتها الخاص.

أما الأولاد الصغار الذين كانوا يركضون في المكان ويسارعون للسلام عليها، فتضحك وهي تقول:

"دلوقتي ما شاء الله بقوا بشنبات، والواحد بقى بيخاف يسلم عليهم"

.

واللافت أنهم لم يعودوا فقط أطفال الأنشطة؛ بعضهم أصبح يساعد اليوم في تقديم الأنشطة للأطفال الأصغر.

هناك شيء مؤثر في هذه الصورة.

فالطفل الذي جاء يومًا ليأخذ من التجربة، يعود بعد سنوات ليساعد في صنعها لغيره.

 

والمشروعات كبرت أيضًا

العائلات ليست وحدها التي تقيس بها أميرة عمر "الخان".

تتذكر أصحاب مشروعات بدأ بعضهم معها بفكرة صغيرة وبخوف كبير من الخطوة الأولى.

تقول إنهم وجدوا مساحة لعرض أعمالهم ودعمًا يساعدهم على البدء، ثم شاهدت بعض تلك المشروعات تنطلق من أوتاوا إلى أسواق أخرى في أنحاء كندا.

 

ومع السنوات تغيرت العلاقة أيضًا.

لم يعودوا، في وصفها، مجرد عارضين:

"بقينا أهل، وقلوبنا على قلوب بعض قبل أي شغل".

 

وهذا الجانب من دعم المشروعات الصغيرة ظهر أيضًا في بازار رمضان الذي أقامه «الخان» بالتعاون مع جمعية الطلبة المصريين في جامعة كارلتون عام 2026، حيث تحدث المشاركون عن أهمية هذه المساحات في مساعدة الأعمال المحلية على الوصول إلى المجتمع والنمو.

 

"أنا بشوف الناس اللي حواليا بتكبر معاه"

 

يمكن قياس نجاح بازار بعدد الزوار أو العارضين أو المواسم.

أميرة تقيسه بطريقة أخرى.

تقول لـ"تواصل نيوز":

"أنا مش بس بشوف إيفنت بيتعمل كل سنة. أنا بشوف الناس اللي حواليا بتكبر معاه. أطفال كبروا، بنات اتجوزت وفتحت بيت، ومشاريع بدأت صغيرة وكبرت... وأنا كنت موجودة معاهم في جزء من الرحلة دي بفضل الله وتوفيقه".

 

وربما تكون هذه الجملة هي التفسير الأبسط لسبب فشل «ماتش الاعتزال» كل عام.

لم يبدأ «الخان» كمشروع كبير. بدأ بمحاولة أم أن يحتفظ أطفالها بشيء من ثقافتهم وهم يكبرون في كندا.

ثم أصبح موعدًا تنتظره عائلات، ومساحة تبدأ فيها مشروعات، وذاكرة مشتركة لأطفال كبروا أمام عينيها.

ولهذا، عندما تقرر أميرة بعد كل موسم أنها لن تعود، لا يستمر القرار طويلًا.

تصل الرسالة نفسها:

"إمتى لَمّة الخان؟"

فتعود.

ليس لأنها نسيت حجم التعب، وإنما لأنها أصبحت ترى، عامًا بعد عام، ما الذي صنعه ذلك التعب.

Authors

النشرة البريدية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على أحدث التحديثات!