الجوع ليس دائمًا جوعًا… لماذا نشتهي الطعام وكيف نفهم رسائل أجسادنا؟
- بقلم Tahani Elghazaly
- نشر في
بقلم: الدكتورة ماريان أسعد
كلنا نعرف هذه اللحظة جيدًا: رغبة مفاجئة في قطعة شوكولاتة، كيس رقائق، قطعة حلوى، أو وجبة خفيفة في وقت متأخر من الليل. لا يكون الأمر دائمًا جوعًا حقيقيًا، ومع ذلك نشعر وكأن شيئًا داخلنا يدفعنا بإلحاح نحو طعام محدد، لا أي طعام.
كثيرون يفسرون هذه الرغبة على أنها ضعف إرادة. لكن الحقيقة أكثر عمقًا وإنسانية من ذلك. اشتهاء الطعام ليس عيبًا في الشخصية، ولا دليلًا على قلة الانضباط. إنه تفاعل معقد بين الدماغ، والهرمونات، والمشاعر، والعادات اليومية، والبيئة المحيطة بنا.
الجوع العادي يأتي تدريجيًا، ويمكن إشباعه بوجبة متوازنة أو أكثر من اختيار. أما الاشتهاء، فهو مختلف. إنه رغبة مركزة في شيء بعينه: حلو، مالح، دهني، مقرمش، أو مرتبط بذكرى معينة. قد لا يكون الإنسان جائعًا من الناحية الجسدية، لكنه يشعر برغبة قوية في طعام محدد لأنه يمنحه شعورًا بالراحة، أو المكافأة، أو التهدئة.
ويرتبط ذلك بما يعرف بنظام المكافأة في الدماغ. فالأطعمة الغنية بالسكر، والملح، والدهون قد تحفز إفراز الدوبامين، وهو ناقل كيميائي يرتبط بالشعور بالمتعة والتحفيز. ومع الوقت، يبدأ الدماغ في ربط بعض الأطعمة بلحظات الراحة، أو الاحتفال، أو الهروب من الضغط. لذلك قد لا نبحث عن الطعام نفسه، بل عن الشعور الذي ارتبط به.
تلعب الهرمونات أيضًا دورًا مهمًا. فالتغيرات في هرمونات الجوع والشبع، مثل الغريلين واللبتين، قد تجعل الرغبة في الطعام أقوى. كما أن الحمل، وفترة ما قبل الدورة الشهرية، والتغيرات الهرمونية عمومًا قد تزيد اشتهاء أطعمة معينة. هنا لا تكون المرأة “ضعيفة”، بل يمر جسدها بتغيرات حقيقية تؤثر في الشهية والمزاج والطاقة.
الضغط النفسي سبب آخر لا يمكن تجاهله. عندما يشعر الإنسان بالقلق، أو الوحدة، أو الإرهاق، أو الملل، يفرز الجسم الكورتيزول، وهو ما يعرف غالبًا بهرمون التوتر. ارتفاع هذا الهرمون قد يزيد الشهية ويدفعنا نحو أطعمة تمنح شعورًا سريعًا بالراحة. لذلك نلاحظ أحيانًا أننا لا نأكل لأننا نحتاج طعامًا، بل لأننا نحتاج حضنًا، أو راحة، أو توقفًا عن حمل كل شيء وحدنا.
قلة النوم تجعل الأمر أصعب. فالنوم غير الكافي يؤثر في الهرمونات المنظمة للشهية، ويزيد حساسية الدماغ للأطعمة التي تمنح مكافأة سريعة، خصوصًا الحلويات والوجبات الغنية بالدهون. ولهذا قد يبدو اليوم التالي لليلة سيئة وكأنه معركة مفتوحة مع الرغبة في السكر والقهوة والوجبات السريعة.
ولا يمكن أن نغفل أثر العادة والبيئة. إعلان طعام، رائحة مخبوزات، فيلم مع فشار، طريق اعتدنا أن نشتري منه القهوة والحلوى، أو حتى كرسي معين نجلس عليه بعد يوم طويل. الدماغ يتعلم بسرعة، ويربط الطعام بالمكان، والوقت، والمزاج. لذلك قد تظهر الرغبة بمجرد تكرار المشهد، حتى لو لم يكن الجسم محتاجًا إلى الطعام.
هناك اعتقاد شائع بأن اشتهاء الطعام يعني دائمًا أن الجسم ينقصه عنصر غذائي معين. هذا قد يحدث في حالات نادرة، لكنه ليس التفسير الأكثر شيوعًا. أغلب الرغبات الغذائية ترتبط بعوامل نفسية وسلوكية وبيئية أكثر من ارتباطها بنقص مباشر في عنصر غذائي. لكن إذا ظهرت رغبة غريبة في أكل أشياء غير غذائية مثل الثلج، أو الطباشير، أو التراب، فقد يكون الأمر مرتبطًا بحالة تسمى “بيكا”، وقد تحتاج إلى تقييم طبي لأنها قد ترتبط بنقص الحديد أو بعض المعادن.
إدارة الاشتهاء لا تعني محاربته بعنف. كلما تعاملنا مع الجسد كعدو، زادت المعركة قسوة. الحل لا يبدأ بالمنع القاسي، بل بالفهم. اسألي نفسك: هل أنا جائعة فعلًا؟ هل أنا متعبة؟ هل أنا حزينة؟ هل نمت جيدًا؟ هل مررت بيوم ضاغط؟ هل أبحث عن طعام، أم أبحث عن راحة؟
الوجبات المتوازنة تساعد كثيرًا. عندما تحتوي الوجبة على بروتين، وألياف، ودهون صحية، يصبح سكر الدم أكثر استقرارًا، وتقل الرغبات المفاجئة. أما تخطي الوجبات أو الاعتماد على القهوة فقط لساعات طويلة، فقد يجعل الاشتهاء أقوى في نهاية اليوم.
النوم ليس رفاهية. الحصول على نوم كاف ومنتظم يساعد الدماغ والجسم على تنظيم الشهية بشكل أفضل. كذلك يساعد شرب الماء، لأن العطش قد يختلط أحيانًا بإحساس الجوع، فنلجأ إلى الطعام بينما ما يحتاجه الجسم فعلًا هو الترطيب.
إدارة التوتر جزء أساسي من إدارة الرغبات. المشي، التنفس العميق، الحركة الخفيفة، الصلاة، التأمل الهادئ، أو مكالمة مع شخص مريح، كلها قد تقلل الحاجة إلى الطعام كوسيلة وحيدة للتهدئة. ليس المطلوب أن نكون مثاليين، بل أن نمنح أنفسنا بدائل رحيمة.
من المفيد أيضًا أن نؤجل الاستجابة لدقائق قليلة. الرغبة الشديدة غالبًا تصل إلى قمتها ثم تبدأ في التراجع. انتظري عشر دقائق، اشربي ماء، تحركي قليلًا، أو اشغلي يدك بشيء آخر. أحيانًا لا تختفي الرغبة تمامًا، لكنها تصبح أضعف وأسهل في التعامل معها.
والأهم: لا تحظري كل ما تحبينه. المنع الشديد قد يجعل الطعام الممنوع أكثر إغراءً. العلاقة الصحية مع الطعام لا تقوم على العقاب، بل على التوازن. يمكن أن نأكل ما نحب بوعي واعتدال، من دون جلد ذات، ومن دون أن يتحول كل اختيار غذائي إلى اختبار أخلاقي.
في النهاية، اشتهاء الطعام جزء طبيعي من السلوك الإنساني. لا يعني الضعف، ولا فشل الإرادة، ولا غياب السيطرة. هو رسالة من الجسد والعقل معًا. أحيانًا تقول الرسالة: أنا جائع. وأحيانًا تقول: أنا متعب. وأحيانًا تقول: أنا مضغوط، وحزين، وأحتاج إلى عناية.
حين نفهم الرغبة بدل أن نخاف منها، نستعيد علاقتنا الهادئة مع الطعام. وحين نتوقف عن لوم أنفسنا، نبدأ في الإصغاء بذكاء أكبر إلى ما يحاول الجسد والقلب قوله.
قد يعجبك أيضًا
Authors
-
Tahani Elghazaly5000 المقالات
منشورات شائعة
-
هيئة الاستثمار الكويتية ت...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 18, 2026
-
6 آلاف مهني و800 مشترٍ في...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 18, 2026
-
Halal Expo Canada تدعو ال...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 18, 2026
-
مصر تمنع الحسابات المستقل...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 18, 2026
النشرة البريدية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على أحدث التحديثات!