الوضع المظلم
بئر الحنين… قصة قصيرة لأميمة عبدالعزيز

بئر الحنين… قصة قصيرة لأميمة عبدالعزيز

شارك
Latest news on WhatsApp أجدد الأخبار على واتساب

 

دائمًا أنا أقرب الأصدقاء للجميع، والعكس غير صحيح.

أعيش في فجوة من الزمان. فجوة مظلمة فارغة، صُنعت خصيصًا لتحتويني. فجوة داخلي كثقب أسود يمتص رغبتي في الحب والعناق. تعزلني بالرغم من وجود الجميع حولي، بالرغم من ثقتهم في صداقتي. كثيرًا ما أتساءل: هل أنا على صواب، أم أنني أخون مشاعرهم التي تفيض محبة وودًا؟

 

لماذا بُني هذا الجدار بداخلي؟ لماذا قلبي كصخرة تتحدى أعتى الأمواج؟

أهو الماضي والصمت الجاسئ على صدري؟ يوم غادر مضجعي، كنت أظنها سحابة صيف تمر ليعود لصفوه. انتظرته سنوات، ولكنه خان قلبي الذي تعلق به، خان أحلامنا. تركني للجليد يتغذى على ضعفي حتى تلاشت الأحلام وصمتت الألحان. ترك العود يئن بلا عزف. تساءلت كل ليلة: لماذا تركه وتركني ونحن توأم روحه؟

 

خلعت كبريائي وخرجت أهتدي بمشعل الأمل حتى وجدته. في نفس المكان، تنعكس على جبينه أضواء الغروب، وكأن الزمان وهْم.

في تلك اللحظة، لم أشعر بالغضب ولا بالفرحة التي توقعتها. شعرت بشيء أغرب: الفراغ نفسه الذي عشته طويلاً. نظرتُ إليه فرآني، فارتسمت على وجهه دهشة خفيفة، ثم ابتسامة غريبة كأنه لم يغب لحظة.

اقتربت منه بخطى ثقيلة، وسألته بصوت لم أسمعه من قبل: "لماذا؟"

 

لم ينطق. فقط أخرج شيئًا من جيبه ووضعه في كفي: عود ثقاب محترق. ثم همس: "لأنني أحببتك أكثر مما تستطيع أن تحتمل، فاخترتُ أن أختفي قبل أن أحرقك بالكامل."

وقبل أن أرد، استدار ومشى نحو الغروب المتساقط. وهذه المرة لم أركض خلفه. وقفتُ مكاني أنظر إلى عود الثقاب الأسود في يدي، ثم إلى الجدار الذي ينهار بداخلي بصمت.

 

للمرة الأولى، لم أشعر بالفجوة. شعرت أنني الفجوة ذاتها، وأنه لا بأس في ذلك.

أغلقت يدي على الرماد، وعدت أدراجي. ليس لأنني سامحته، بل لأنني أدركت أن بعض الأسئلة لا تحتاج إلى أجوبة، وبعض الجدران لا تُهدم، بل نتعلم كيف نرسم عليها نوافذ.