الوضع المظلم
حين تعبر الشهادة الحدود.. هل تكفي المعادلة لاستعادة المرأة مهنتها في كندا؟

حين تعبر الشهادة الحدود.. هل تكفي المعادلة لاستعادة المرأة مهنتها في كندا؟

شارك
Latest news on WhatsApp أجدد الأخبار على واتساب

 

ثلاث نساء جئن إلى كندا ومعهن الطب والصيدلة وخبرة مهنية دولية. واحدة استغرقت سنوات حتى عادت إلى مهنتها، وأخرى غيرت طريقها، وثالثة أكملت رحلة المعادلة ثم اكتشفت أن المهنة التي حاربت من أجلها لم تعد الحياة التي تريدها.

لم تكن المشكلة بالنسبة للطبيبة في أنها لم تحاول.

على العكس تمامًا. عندما جاءت إلى كندا، دخلت رحلة الاعتراف بمؤهلها الطبي بحماس، وتحملت ما صاحبها من دراسة وتكاليف وضغط، وأجلت الإنجاب خلال تلك الفترة حتى تستطيع التركيز على الطريق الذي اعتقدت أنه سيعيدها إلى مهنتها.

 

أنهت ما كان مطلوبًا منها في المسار الذي خاضته. وكان يفترض أن تكون تلك لحظة الوصول.

 

لكنها، بعد كل ذلك، وجدت نفسها أمام سؤال لم يكن موجودًا عندما بدأت: هل ما زالت تريد فعلًا الحياة التي كانت تسعى إليها؟

المسار المهني للطبيب المتدرب خارج كندا ليس إجراءً واحدًا يسمى ببساطة «المعادلة». في أونتاريو توجد مسارات ومتطلبات مختلفة بحسب تدريب الطبيب ومؤهلاته، ويؤكد College of Physicians and Surgeons of Ontario أن الحصول على حق الممارسة المستقلة يرتبط بشروط محددة للتسجيل والتدريب والشهادات المهنية. ولذلك قد تختلف رحلة كل طبيب دولي بصورة كبيرة عن الآخر.

 

بالنسبة لهذه الطبيبة، لم ينتهِ البحث بانتهاء الجزء الذي خاضته من رحلة الاعتراف بمؤهلها. بعد الإنجاب، تغيرت أولويات الحياة نفسها. فكرت في الاستمرار في الطب، ثم فكرت في الصيدلة كمسار آخر، لكنها وجدت نفسها ممزقة بين مهنة تحتاج منها الكثير، وطفل وأسرة تريد أن تكون حاضرة في حياتهما، وحاجة شخصية إلى عمل لا يبتلع بقية يومها.

 

في النهاية، اختارت طريقًا ثالثًا: العمل مع زوجها في مجال المستلزمات الطبية.

لم تغادر عالم الصحة تمامًا، لكنها اختارت موقعًا مختلفًا داخله؛ عملًا تستفيد فيه من خلفيتها، وفي الوقت نفسه يمنحها المرونة التي كانت تبحث عنها.

 

قصتها تطرح سؤالًا قد لا يخطر على بال كثير من القادمين إلى كندا وهم يحملون شهاداتهم في حقائب السفر:

 

هل الحصول على الاعتراف بالمؤهل هو نهاية المشكلة فعلًا؟ أم أن السؤال الأهم يجب أن يأتي قبل ذلك: هل ما زلت أريد هذه المهنة، بكل ما ستطلبه من حياتي؟

 

أربعة أعوام تقريبًا كي تعود صيدلانية

في منزل آخر، كانت الإجابة مختلفة.

هي وزوجها صيدلانيان. سبقها الزوج إلى كندا، وبدأ رحلة استيفاء متطلبات العمل في المهنة حتى استطاع أن يستقر مهنيًا، بينما بقيت هي في إحدى الدول الخليجية  قبل أن تلحق به وتبدأ رحلتها الخاصة.

على الورق، كان الاثنان يحملان المهنة نفسها.

لكن الحياة حول كل منهما لم تكن متشابهة.

 

عندما بدأت الزوجة طريقها، كانت أمًا لطفلين. ثم جاء حمل لم يكن مخططًا له، وأصبحت هناك طفلة جديدة تحتاج إلى الرعاية، في الوقت الذي كان عليها فيه أن تذاكر للامتحانات وتدفع تكاليفها وتستعين أحيانًا بدروس إضافية، بينما كان الزوج نفسه لا يزال في بدايات استقراره المهني.

 

امتدت الرحلة إلى نحو أربع سنوات.

ولم يكن ثمنها وقتًا فقط.

 

كانت تكاليف الدراسة والامتحانات والدروس تمثل ضغطًا حقيقيًا على الأسرة، ووصل الأمر في بعض الفترات إلى الحاجة إلى الاستدانة لتغطية بعض النفقات المرتبطة بالطريق المهني.

 

والمسار الرسمي نفسه يوضح لماذا لا يكون الأمر مجرد تقديم شهادة جامعية. خريجو الصيدلة من خارج كندا الراغبون في التسجيل في أونتاريو يمرون بعدة مراحل، تبدأ عبر Pharmacists’ Gateway Canada وتشمل تقييمات وامتحانات ومتطلبات تعليمية ومهنية، وقد تشمل برنامجًا تأهيليًا بحسب مسار المتقدم ونتائج امتحاناته.

 

ومع ذلك، لم تغير هذه الصيدلانية هدفها.

الأطفال أبطأوا الطريق. الحمل غير المتوقع غيّر إيقاعه. والمال جعل بعض مراحله أكثر قسوة. لكنها أرادت العودة إلى الصيدلة، واستمرت حتى فعلت.

 

وهنا تظهر مفارقة يصعب أن تكشفها قائمة الرسوم أو شروط التسجيل: قد تكون المتطلبات المهنية واحدة أمام الجميع، لكن الظروف التي يحاول كل شخص استيفاءها داخلها ليست واحدة.

 

خبرة دولية لم تمنع تغيير الطريق

أما المرأة الثالثة، فلم تكن قادمة إلى كندا بلا تاريخ مهني.

كانت لديها خبرة طويلة في الترجمة، من بينها عمل مرتبط بالأمم المتحدة خلال سنوات إقامتها في الولايات المتحدة. لكنها عندما انتقلت إلى كندا، كانت أيضًا أمًا لأربعة أطفال.

وجدت أمامها متطلبات جديدة إذا أرادت بناء مسار مهني معتمد في الترجمة، وفي الوقت نفسه كانت تعرف جيدًا طبيعة حياتها السابقة وما كان يصاحب بعض أعمالها من سفر والتزامات.

في أونتاريو، صفة Certified في الترجمة هي صفة مهنية محمية، ويضع Association of Translators and Interpreters of Ontario مسارات وشروطًا للحصول على الاعتماد، سواء عبر الامتحان أو تقييم الملف المهني. وحتى الخبرة السابقة تدخل ضمن شروط محددة لإثباتها والاعتداد بها.

لكنها لم ترَ أن إعادة بناء المسار السابق بالصورة نفسها هي الاختيار المناسب لحياتها الجديدة.

اتجهت إلى العمل التطوعي، مدفوعة برغبتها في مساعدة الآخرين، ثم إلى وظيفة في إحدى بعيد عن تخصصها من أجل أن  يتوفر لها دخلًا ووقت يسمح لها بإعادة ترتيب العلاقة بين العمل والأسرة.

 

قصتها ليست قصة شهادة «ضاعت»، بقدر ما هي قصة امرأة قررت أن الخبرة التي جاءت بها إلى كندا لا يجب بالضرورة أن تستمر في القالب المهني نفسه.

 

المعادلة لا تحكي القصة كلها

القصص الثلاث مختلفة، لكنها تلتقي عند نقطة واحدة: المؤهل المهني لا يصل إلى كندا وحده. تصل معه حياة كاملة.

وهذا ليس مجرد انطباع ترويه ثلاث نساء.

تقييم رسمي لبرنامج الاعتراف بالمؤهلات الأجنبية في كندا وجد أن أصحاب المؤهلات الدولية ما زالوا يواجهون عوائق متعددة للوصول إلى وظائف تتناسب مع مؤهلاتهم، من بينها طول وتعقيد بعض الإجراءات، والتكلفة، وعدم الاعتراف الكامل بالخبرة والمؤهلات الأجنبية لدى بعض أصحاب العمل.

 

واللافت أن التقييم نفسه أشار إلى أن النساء وبعض الفئات المصنفة عرقيًا تواجه عوائق إضافية، وأن المسؤوليات الأسرية وغياب الشبكات الاجتماعية والمهنية يمكن أن يؤثرا في اندماج النساء المهنيات في سوق العمل. كما أشار إلى تحديات أكبر في التوظيف بين بعض القادمين الحاصلين على تعليم ما بعد الثانوي من العرب وغرب آسيا والسود، خصوصًا النساء

.

وفي أحدث تقييم اتحادي للبرنامج، المنشور في 2025 والمغطي للفترة من 2019 إلى 2024، لا تزال الحكومة تعتبر دعم أصحاب الخبرات الدولية ودمجهم في مجالات تخصصهم حاجة قائمة، مع تركيز متزايد على المهنيين الصحيين المتعلمين خارج كندا.

 

لكن الأرقام الرسمية لا تستطيع وحدها قياس كل شيء.

لا يوجد في رسوم الامتحان بند يحسب الساعات التي تذاكر فيها أم بعد نوم أطفالها.

ولا يظهر في تكلفة الاعتماد ثمن تأجيل قرار شخصي كبير مثل الإنجاب.

 

ولا تستطيع شهادة الاعتراف بالمؤهل أن تجيب عن السؤال الذي واجهته الطبيبة بعد وصولها إلى نهاية الطريق الذي اختارته: هل ما زالت هذه هي الحياة التي أريدها؟

بالنسبة للصيدلانية، كانت الإجابة نعم، واستحقت المهنة سنوات المحاولة.

 

وبالنسبة لصاحبة الخبرة الدولية في الترجمة، كان الطريق الجديد أكثر ملاءمة للحياة التي أرادت بناءها.

أما الطبيبة، فربما كانت تجربتها هي الأصعب: لأنها لم تكتشف حاجتها إلى تغيير الاتجاه قبل الرحلة، بل بعد أن قطعت جزءًا كبيرًا منها.

 

وهنا تصبح النصيحة للقادمة إلى كندا بشهادة مهنية أكبر من مجرد أن تسأل عن أوراق المعادلة ورسومها وامتحاناتها.

قبل أن تبدأ، تحتاج أيضًا أن تعرف كم سيستغرق الطريق من حياتها، وما الذي ستحتاج الأسرة إلى تحمله معها، وكيف تبدو المهنة فعلًا بعد الوصول إليها، وهل تناسب الحياة التي تريدها بعد خمس أو عشر سنوات.

فالشهادة قد تعبر الحدود، وقد تحصل صاحبتها على الاعتراف الذي سعت إليه، لكن ذلك وحده لا يقرر شكل حياتها المهنية الجديدة.

 

أحيانًا تكون العودة إلى المهنة هي الانتصار.

وأحيانًا يكون الانتصار أن تعرف المرأة، بعد كل ما تعلمته وما عاشته، أن من حقها أن تختار طريقًا آخر.