حين لا يشعر القلب بالأمان: عن القلق والخوف والحاجة إلى الطمأنينة
- بقلم Tahani Elghazaly
- نشر في
بقلم دكتور/ مصطفي حسن
الخوف جزء من تكويننا كبشر - شعور طبيعي خلق لينبهنا ويساعدنا ان ننجي من الأخطار. الخوف ليس عيبًا، ولا ضعفًا، ولا دليلًا على أن الإنسان مكسور من الداخل.
في جوهره، الخوف يحاول أن يحمينا ويحرص علي سلاماتنا، ويدفعنا إلى الحذر، ويجعلنا أكثر انتباهًا لما قد يؤذينا. لكن تكمن المشكلة عندما يظل الخوف مستمرا وحاضرًا طوال الوقت، حتى بعد أن يزول الخطر، أو عندما لا يشعر الجسد أنه آمن بما يكفي لكي يهدأ.
هنا لا يبقى الخوف مجرد إحساس عابر. يبدأ في تشكيل حياتناجج من الداخل.
قد يعيش الإنسان وهو يؤدي كل واجباته بشكل طبيعي، يذهب إلى عمله، يبتسم، يتفاعل مع الناس، يهتم بأسرته، ويبدو من الخارج قوياً ومتماسكًا. لكنه من الداخل يعيش في حالة رهبه واستعداد دائم. كأن شيئًا سيحدث. كأن عليه أن يراقب كل كلمة، وكل نظرة، وكل احتمال للأذي والرفض أو الخذلان.
هذا هو الوجه المتعب للقلق.
القلق لا يظهر دائمًا في صورة واضحة أو خوف صريح. أحيانًا يظهر في التفكير الزائد، في محاولة إرضاء الجميع، في تجنب الخلاف بأي ثمن، في الحاجة إلى السيطرة على كل تفاصيل الحياه لتجنب المفاجآت، أو في الانسحاب قبل أن يقترب الآخرون أكثر من اللازم. وقد يظهر في الجسد: ضيق في الصدر، نفس قصير، ألم في المعدة، أرق، إرهاق، أو شعور دائم بأن الجسم مشدود ومستعد لشيء غير مريح.
ولكي نفهم القلق بعمق، لا يكفي أن نسأل: لماذا أخاف؟
علينا أيضًا أن نسأل: هل أشعر بالأمان؟
الأمان العاطفي يعني أن يشعر الإنسان أنه آمن بما يكفي لكي يلاحظ مشاعره، ويعبر عنها، دون خوف من السخرية، أو الرفض، أو الإهانة، أو الفوضى. أن يستطيع أن يقول: أنا خائف. أنا متألم. أنا محتاج. أنا لا أفهم ما يحدث داخلي، من غير أن يشعر أن هذا سيكلفه كرامته أو مكانته أو علاقته بمن يحب.
وهنا يظهر الفرق بين الصحة النفسية والصحة العاطفية.
الصحة النفسية هي الصورة الأوسع، وتشمل اضطرابات القلق والتشخيصات والعلاج. أما الصحة العاطفية فتقترب أكثر من حياة الإنسان اليومية: كيف يعيش مع احاسيسه و يتصرف مع خوفه؟ كيف يستقبل مشاعره؟ هل مسموح له أن يشعر؟ وهل علاقاته أو بيئته تمنحه مساحة آمنة للتعبير، أم تجعله دائم الدفاع عن نفسه؟
كثير من الناس لم يتعلموا ولم يشعروا بهذا النوع من الأمان.
ربما عاشوا في بيئة كثيرة النقد، غير مستقرة، أو مليئة بالضغط، أو مروا بتجارب صعبة، أو نشأوا في بيوت لم تكن المشاعر فيها مرحبًا بها. فيتعلم الإنسان أن يكبت مشاعره ويصمت، يكون علي حاله استعداد، يترقب الخطر قبل أن وقوعه، وأن يستعد للتعامل مع الغضب قبل أن يحدث، وأن يتوقع الرفض قبل أن يسمعه.
من الخارج، قد نسمي هذا قلقًا.
لكن من الداخل، قد يكون احتياجًا عميقًا إلى الحب والأمان والطمأنينة.
ولهذا، لا ينبغي أن نتعامل مع القلق كعدو لنا، ولا مع الخوف كشيء يجب أن نخجل منه. أحيانًا يكون الخوف يكون محاولة لحماية انفسنا من الأخطار، لكن أصبح مرهق لأنه يعمل باستمرار وأكثر مما ينبغي.
بداية التغيير ليست في لوم النفس، بل في فهمها.
اسأل نفسك أولًا: ماذا يحدث في جسدي الآن؟
هل أقبض يدي؟ هل أكتم أنفاسي؟ هل أنا متوتر؟ هل أهرب؟ هل أساير الآخرين حتى لا أخسرهم؟ هل أحاول السيطرة لأن داخلي لا يشعر بالأمان؟
ثم اسأل: ما اسم هذا الخوف؟
هل هو خوف من خطر حقيقي؟ أم من الفشل؟ أم من الرفض؟ أم من الخلاف؟ أم من الغموض؟ أم من أن أكون عبئًا على من حولي؟
وعندما تعرف اسم الخوف، لا تعامله برفض او استهجان. عامله بفهم وبدعم.
اهدأ قليلًا. أبطئ تنفسك. عد إلى اللحظة الحالية. المس شيئًا ثابتًا حولك. تحدث مع شخص قريب لك تآمنه. افعل شيئًا صغيرًا يرسل لنفسك و جسدك رسالة واضحة: أنا هنا الآن، ولست مضطرًا أن أعيش في حالة إنذار وخوف مستمر.
التعامل مع القلق يبدأ بمساعدة الإنسان على فهم أعراضه، وتقليل التجنب، واستخدام خطوات عملية تساعده على استعادة قدر أكبر من التوازن في حياته اليومية. وهذا مهم لأن القلق لا يهدأ بالأوامر، بل يهدأ عندما يشعر الإنسان أن هناك طريقة آمنة للتعامل معه.
ومن هنا يمكن تبسيط التعامل مع القلق في ثلاث خطوات:
الخطوة الأولى: لاحظ.
اسأل نفسك: ماذا اشعر في جسدي الآن؟
الخطوة الثانية: سمّ وافهم.
هل هذا خوف من خطر، أم فشل، أم رفض، أم خلاف، أم غموض؟
الخطوة الثالثة: تصرف بتفهم و بدعم.
ثبّت جسدك، أبطئ تنفسك، واطلب مساعدة شخص آمن أو تواصل مع صغيرًا يهدئك.
هذه الخطوات لا تمحو القلق فورًا، لكنها تعيد الإنسان من الفوضى إلى الوعي، ومن الانفعال إلى الاختيار، ومن الشعور بالتهديد إلى بداية الإحساس بالأمان.
ومن المهم أيضًا أن نسأل أنفسنا بصدق:
ما المواقف التي تجعلني أشعر بعدم الأمان العاطفي؟
كيف يظهر القلق في جسدي؟
هل أتعامل مع الخوف بالهروب، أم بإرضاء الناس، أم بالسيطرة، أم بالانسحاب؟
وما الذي يساعدني على الشعور بالأمان داخل نفسي؟
جرّب أن تكمل هذه الجملة:
عندما أشعر بالقلق، فإن أكثر ما أحتاجه في الحقيقة هو...
قد تكون الإجابة: أحتاج إلى طمأنينة.
أو أحتاج إلى وضوح.
أو أحتاج إلى شخص يسمعني دون حكم.
أو أحتاج إلى أن أتوقف عن جلد نفسي.
أو أحتاج فقط إلى أن أشعر أنني لن أُرفض لأنني خائف.
هذه الإجابة قد تكون بسيطة، لكنها تكشف شيئًا مهمًا. فالقلق أحيانًا لا يطلب حلًا سريعًا بقدر ما يطلب أمانًا أعمق.
ومع ذلك، هناك لحظات لا يكفي فيها الوعي وحده. إذا أصبح القلق متكررًا أو شديدًا، أو ارتبط بنوبات هلع وخوف، أو تسبب في تجنب الحياة بطريقة طبيعية، أو أثر في النوم، أو العمل، أو العلاقات، أو الصحة الجسدية، فطلب المساعدة المتخصصة ليس ضعفًا. إنه احترام للنفس، واعتراف بأن الإنسان لا يجب أن يتحمل ويتعامل مع كل شيء وحده.
في النهاية، الأمان العاطفي ليس رفاهية.
هو المساحة التي يبدأ فيها الجسد بالهدوء، والقلب بالثقة، والإنسان بالتعافي.
فالخوف قد يحاول أن يحمينا، لكن الأمان هو ما يساعدنا أن نعيش.
قد يعجبك أيضًا
Authors
-
Tahani Elghazaly5020 المقالات
منشورات شائعة
-
في عام الثقافة قطر–كندا 2...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 19, 2026
-
سحب جبن Yotvata من أسواق...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 20, 2026
-
أونتاريو تحدد وظائف مطلوب...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 19, 2026
-
كندا تضخ 67 مليون دولار ف...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 20, 2026
النشرة البريدية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على أحدث التحديثات!