حين يصل التوتر إلى المعدة.. الجسد يقول ما نعجز عن قوله
- بقلم Tahani Elghazaly
- نشر في
بقلم الدكتور مصطفى حسن
ليست كل الآلام التي تسكن أجسادنا وليدة مرضٍ ظاهر، وليست كل اضطرابات المعدة نتيجة طعام فاسد أو وجبة ثقيلة. أحيانًا تكون المعدة هي المكان الذي تذهب إليه الكلمات التي لم نستطع قولها، والمخاوف التي أخفيناها، والأحزان التي تظاهرنا بأننا تجاوزناها.
قبل مواجهة صعبة، قد نشعر بالغثيان.
وفي لحظة فقد، قد تنغلق شهيتنا تمامًا.
وعندما نحاصر بالقلق، قد تنتفخ المعدة أو تتقلص أو تبقى مضطربة لساعات.
هذه الأعراض ليست وهمًا، ولا دليلًا على الضعف، ولا محاولة لجذب الانتباه. إنها لغة الجسد حين يصبح الحمل النفسي أثقل من أن يبقى حبيس العقل.
العلاقة بين الدماغ والجهاز الهضمي ليست طريقًا يسير في اتجاه واحد، بل حوار متبادل ومستمر. الدماغ يرسل إشاراته إلى المعدة والأمعاء، والجهاز الهضمي بدوره يرسل رسائل قد تؤثر في المزاج، والشعور بالراحة، والاستجابة للضغط. وتشارك في هذا الحوار شبكات عصبية وهرمونية ومناعية، إلى جانب الكائنات الدقيقة التي تعيش داخل الأمعاء. وتشير مراجعات علمية حديثة إلى أن التوتر المزمن قد يزيد حدة بعض الاضطرابات النفسية والهضمية من خلال هذا التواصل المعقد.
لكن علينا أن ننتبه إلى نقطة شديدة الأهمية: الحديث عن تأثير المشاعر في المعدة لا يعني أن كل ألم سببه نفسي، ولا يمنح أحدًا الحق في أن يقول للمريض: "الأمر كله في رأسك".
الألم حقيقي، حتى عندما يشارك التوتر في صنعه أو تضخيمه.
إن أخطر ما نفعله بأنفسنا هو أن نتجاهل الإشارات الصغيرة حتى تتحول إلى صرخات. نؤجل الطعام لأننا مشغولون، ونحرم أنفسنا من النوم لأن المسؤوليات لا تنتهي، ونبتلع الغضب حتى لا نخسر أحدًا، ثم نتساءل لماذا لم تعد أجسادنا قادرة على الاحتمال.
الجسد لا يخوننا حين يتعب، بل يحاول حمايتنا.
قد تكون تقلصات المعدة رسالة تقول إننا نعيش تحت ضغط لا يناسب قدرتنا. وقد يكون فقدان الشهية علامة على حزن لم يحصل على حقه في التعبير. وربما يكون الأكل المفرط محاولة سريعة لملء فراغ عاطفي أو تهدئة خوف لا نعرف كيف نواجهه.
المطلوب هنا ليس أن نحاسب أنفسنا على كل عرض، أو أن نراقب المعدة بخوف، بل أن نصغي إليها برفق.
اسأل نفسك: ماذا يحدث لمعدتي عندما أقلق؟ هل أفقد شهيتي أم أتناول الطعام بلا وعي؟ هل يزداد الألم عندما أشعر بالخوف أو الحزن أو الضغط؟ وهل أتجاهل احتياجاتي حتى يجبرني جسدي على التوقف؟
الانتباه إلى هذه الأنماط لا يشخّص مرضًا، لكنه يساعدنا على فهم أنفسنا بصورة أكثر اكتمالًا.
والرعاية الحقيقية لا تفصل الإنسان إلى أجزاء. لا تعالج المعدة وتتجاهل الروح، ولا تهتم بالمشاعر وتهمل الفحص الطبي. قد نحتاج إلى وجبات منتظمة، وماء كافٍ، ونوم أفضل، وحركة هادئة، وتمارين تنفس، ومساحة آمنة نتحدث فيها. وقد نحتاج أيضًا إلى طبيب يفحص الأعراض، أو اختصاصي نفسي يساعدنا على التعامل مع القلق والحزن والضغوط المتراكمة.
ليس علينا الاختيار بين العلاج النفسي والعلاج الجسدي؛ فالحكمة أن نمنح كليهما ما يحتاج إليه.
إذا استمرت آلام البطن، أو صاحبها نزيف، أو قيء متكرر، أو فقدان غير مبرر للوزن، أو تغير واضح ومستمر في الهضم، فلا ينبغي نسبتها تلقائيًا إلى التوتر. طلب الرعاية الطبية ليس مبالغة، كما أن طلب الدعم النفسي ليس عيبًا.
في النهاية، قد تستطيع أن تخفي حزنك عن الناس، وأن تؤجل خوفك، وأن تبتسم بينما تنهار من الداخل، لكن جسدك غالبًا سيعرف الحقيقة.
وحين تتحدث المعدة، لا تسارع إلى إسكاتها.
اسألها برفق: ما الذي أحمله في داخلي ولم أعد قادرًا على احتماله؟
ربما لا تحتاج في تلك اللحظة إلى مزيد من القوة، بل إلى قليل من الرحمة تجاه نفسك.
قد يعجبك أيضًا
Authors
-
Tahani Elghazaly4962 المقالات
منشورات شائعة
النشرة البريدية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على أحدث التحديثات!